فهرس الكتاب

الصفحة 268 من 317

سابعًا: أن عمر وغيره من الصحابة - رضي الله عنهم - ممن امتنع عن إحضار الكتف والدواة ليكتب لهم فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكونوا - رضي الله عنهم - عصاةً، كما صورهم صاحب الرسالة؛ لأن أمره هذا - عليه الصلاة والسلام - لم يكن للوجوب، بل للندب. ويدلُّ عليه: أن طلبه - صلى الله عليه وسلم - هذا منهم كان في يوم الخميس، وقد عاش - صلى الله عليه وسلم - بعده إلى يوم الاثنين، ولم يثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - عاود أمرهم بذلك. ولو كان واجبًا لم يتركهم لاختلافهم؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - لا يترك التبليغ لمخالفة من خالف. وقد كان الصحابة - رضي الله عنهم - يراجعونه في بعض الأمور ما لم يجزم، فإذا عزم امتثلوا (1) .

وفَهْمُ الصحابة - رضي الله عنهم - أجمعين لأمره - صلى الله عليه وسلم - هذا بأنه ليس للوجوب كفهمهم - رضي الله عنهم - لقوله - صلى الله عليه وسلم - لهم: (لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ) (2) . حيث تخوف أناس من فوات الوقت فَصَلُّوا في الطريق، وتمسك آخرون بظاهر النص فلم يُصَلُّوا إلا بعد أن وصلوا، فلم يعنِّف - عليه الصلاة والسلام - أحدًا من الفريقين (3) .

وقال البيهقي: «ولو كان ما يريد (4) النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكتب لهم شيئًا مفروضًا لا يستغنون عنه لم يتركه باختلافهم ولغطهم؛ لقول الله - عز وجل: {بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [المائدة:67] ، كما لم يترك تبليغ غيره بمخالفة من خالفه، ومعاداة من عاداه» (5) . قال النووي: وهذا «كما أمر في ذلك الحال بإخراج اليهود من جزيرة العرب وغير ذلك مما ذكره في الحديث» (6) .

ثامنًا: اختلف العلماء في المراد بالكتاب الذي همَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكتبه لهم:

فقيل: أراد - صلى الله عليه وسلم - أن يكتب كتابًا ينصّ فيه على الأحكام؛ ليرتفع الاختلاف.

وقيل: بل أراد - صلى الله عليه وسلم - أن ينصّ على أسامي الخلفاء بعده؛ حتى لا يقع بينهم الاختلاف. قاله سفيان بن عيينة. ويؤيده: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال في أوائل مرضه وهو عند عائشة - رضي الله عنها: (ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ أَبَاكِ وَأَخَاكِ؛ حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا؛ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَيَقُولُ قَائِلٌ: أَنَا أَوْلَى، وَيَأْبَى اللهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ) (7) . أخرجه مسلم. ومع ذلك لم يكتب.

(1) فتح الباري لابن حجر (1/ 209) .

(2) عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لنا لما رجع من الأحزاب: (لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ) ، الحديث. صحيح البخاري، أبواب صلاة الخوف، باب صلاة الطالب والمطلوب راكبًا وإيماءً (3/ 15) ، رقم (946) ، وصحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب المبادرة بالغزو وتقديم أهم الأمرين المتعارضين (3/ 1391) ، رقم (1770) . وفي رواية مسلم:"الظهر"بدل"العصر".

(3) تمام الحديث السابق: (فَتَخَوَّفَ نَاسٌ فَوْتَ الْوَقْتِ فَصَلَّوْا دُونَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَا نُصَلِّي إِلَّا حَيْثُ أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَإِنْ فَاتَنَا الْوَقْتُ. قَالَ: فَمَا عَنَّفَ وَاحِدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ) . صحيح البخاري، أبواب صلاة الخوف، باب صلاة الطالب والمطلوب راكبًا وإيماءً (3/ 15) ، رقم (946) ، وصحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير، باب المبادرة بالغزو وتقديم أهم الأمرين المتعارضين (3/ 1391) ، رقم (1770) . واللفظ لمسلم.

(4) كذا في دلائل النبوة للبيهقي، ولعل الصواب: مراد.

(5) دلائل النبوة للبيهقي (7/ 184) .

(6) شرح صحيح مسلم للنووي (11/ 90) .

(7) صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب من فضائل أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - (4/ 1857) ، رقم (2387) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت