وعند الدخول في المطبخ وجد أكل الأب توما وخادمه بجانب الكانون، واستنتج من هذه المعاينة أنهما كانا يقصدان الرجوع إلى الدير عندما تركاه، وأنهما قتلا خارج الدير، وأن القتل لم يحصل طمعًا في أموالهما. ومما يثبت ذلك هو أن الأشياء تعلقهما التي كانت لهما في الدير وجدت مرتبة كما تركاها ولم يفقد منها شيء ما.
هذا وكانت الشبهة تقوى من وقت إلى آخر، والشهود يؤكدون أنهم نظروا الأب توما، داخلًا حارة اليهود بعد العصر، ثم تبعه خادمه عند غروب الشمس، ولم يرهما أحد خارجين من تلك الجهة. على أن القس كان في دمشق أشهر من نار على علم، لأنه سكن في هذا البلد منذ ثلاثين سنة تقريبًا، وكان يجري عملية تطعيم الجدري فيه (فلو خرج من الحارة بعد دخوله لنظره بعض الشهود على الأقل) .
أمر جناب قنصل فرنسا بإرسال ذلك التقرير إلى سعادة شريف باشا والي دمشق لأجل أن تجري الحكومة اللازم في التفتيش على الأب توما وخادمه وتنكشف كيفية فقدهما.
وبناء على ذلك أمر سعادة شريف باشا فورًا أن تتخذ الإجراءات اللازمة الموصلة لظهور الحقيقة، وأمر التفتشجي باشا أن يذهب إلى حارة اليهود. وسلمه أمرًا بتفتيش جميع المحلات التي يشتبه فيها. ولكن كان ذلك كله لدون فائدة، لأنهم لم يكتشفوا على شيء جديد.
غير أنه في أثناء ذلك حضر شخصان يونانيان يسمى أحدهما (ميخائيل كساب) والآخر (نماح كلام) ، وقررا بأنهما مراّ في حارة اليهود في يوم الأربعاء الذي غاب فيه الأب توما، وعند وصولهما إلى أول الحارة بالقرب من شارع (طالح القبة) نظرا قبل غروب الشمس بربع ساعة خادم الأب توما داخلًا في الحارة بغاية السرعة، فسألاه إلى أين تذهب ؟ فأجابهما بأنه يفتش على سيده الذي دخل في حارة اليهود ولم يرجع!