الصفحة 11 من 645

التسليم والسلامة من غير منازعة ولا مزاحمة ولا ملامة، أيقظهم قول المهيمن القديم:

{وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: 76] وهم الملحقون بالقسم الأول، الذين لهم هذه الجمعية وعليهم فيها المعوّل لاشتراكهم معهم في لزوم الآداب، وكونهم من جملة الأصدقاء والأحباب، وإنما لهم يفتح هذا الباب، ويرتفع الحجاب، وينالون بذلك مقاصدهم من عطاء ربك الكريم الوهاب وعلى حسب ما يكون السؤال يأتيهم الجواب، فأهل التحرّي لهذا الشأن والتحرّك قريب منهم أهل التيمّن به والتبرّك، وإنما يحرم الجاهل المغرور لعمى بصيرته من الانتفاع بإشراق هذه البدور {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللََّهُ لَهُ نُورًا فَمََا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 40] ، الله أكبر الله أكبر، من فوق هذا المنبر، فإن خطيب الأزل قد صعدنا إليه فنزل، وأتى أمر الحق بالحق وغير الحق انعزل، فيا من في الحضر لم يزل، وقد سمع الخطاب بلسان التشبيب في الحبيب والغزل، وأشار إليه الدف [1] والطنبور [2]

باللغة العجمية ففهم الإشارة، وخاطبته الأيام والليالي بالألسنة المختلفة فأطربته هاتيك العبارة، والكلام لك يا كنّة فاسمعي يا جارة، قد راقت كؤوس الشراب القديم {وَفِي ذََلِكَ فَلْيَتَنََافَسِ الْمُتَنََافِسُونَ وَمِزََاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ} [3] [المطففين: 26و 27] . (شعر) :

وجود وحسبي أن أقول وجود ... له كرم منه عليه وجود

ويا ذوي العرفان، ويا أهل المشاهدة والعيان، ويا أصحاب التحقيق والإيقان، ويا فرسان هذا الميدان، ويا أطيار هذه الأغصان، ويا ثمرات هذا البستان، انظروا في هذا الوجود الواحد، واتركوا نظر الغافل واللّاحد. وهذا لسان السّنّة وإن شئت قلت لكم بلسان الفرض: {قُلِ انْظُرُوا مََا ذََا فِي السَّمََاوََاتِ وَالْأَرْضِ} [يونس: 101] ، وتأملوا ظهوره للعقول بأنواع المعاني، وتجلياته للحواس الخمس بالصور المختلفة كالماء المطلق في قيود صبغة القناني، مع كمال تنزّهه عن الحلول والاتحاد والانحلال وزيادة تباعده المتداني، بحكم التحقيق الروحاني، والذوق الوجداني، والنور الإسلامي والإيمانيّ والإحساني. وتحقّقوا بأمره الذي قام به الجميع، وهو كالبرق اللميع. واعتبروا يا أولي الألباب، فيما يفتح عليكم من هذه الأبواب، فإنّ الأقسام كثيرة، وهي التي ترمي بالعقول في بحار الحيرة، وقد أشرنا إلى أمّهاتها في هذا الكتاب المسطور، الذي هو {فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ} [الطور: 3] ، قسم المواجيد الذوقية، والحقائق العرفانية، والإشارات الإيمانية،

(1) الدّف: آلة للطرب تصنع على هيئة إطار من خشب خفيف يشدّ عليه جلد رقيق، وقد يكون بجوانبه صنوج نحاسية، وهو من آلات الإيقاع (ج) دفوف.

(2) الطّنبور: من آلات الطرب، ذات عنق طويل وستة أوتار من نحاس (ج) طنابير.

(3) التسنيم: ماء في الجنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت