وقال رضي الله عنه:
أنا كتاب الله في الناس ... أذكّر المستيقظ الناسي
وأشرح القول الّذي قيل لي ... في سرّ سرّي بين جلاسي
مجبولة نفسي على سرّها ... لغيب غيب الغيب في الناس
شربت كأسا ثمّ ناولته ... من عن يميني فضلة الكاس
فإن حساها فبصدق له ... وإن تقايا فبوسواس [1]
هنالك الشيطان يلوي بهم ... عن خمرتي والكاس والطاس
قوموا اسكروا يا قوم في حانتي ... فالليل فيه ضوء نبراس
ووجه ساقينا لنا مشرق ... يختال في أثواب ألباس
ونحن لا شرق ولا مغرب ... لنا ولا عار ولا كاسي
نحن بلا نحن فكونوا كما ... كنّا ولا تخشوا من الباس
وهو هو الموجود لا غيره ... والأمر ماح كلّ قرطاس
وقال رضي الله عنه في رحلته إلى مصر المحروسة:
اسقني من مدامة القدّوس ... فهي ملء الدنان ملء الكؤوس
وأدرها عليّ بين الندامى ... من قيام بسكرها وجلوس
صرف راح بشربها كم أميتت ... من نفوس وأحييت من نفوس
بكر دنّ عتيقة قد أعادت ... بالتدابير عهد جالينوس
قام يسعى بها المليح علينا ... ذو محيّا يفوق ضوء الشموس
فخرجنا بنشأة السّكر منها ... عن جميع المعقول والمحسوس
وشهدنا هنالك السرّ يبدو ... بالتجلّي من غيبه المحروس
وبه لا بنا معانيه قامت ... بالإشارات في حروف الطروس
ثمّ لا مسجد ولا بيت نار ... هو للمسلمين أو للمجوس
شمعة النور لم تزل في اشتعال ... وعليها الجميع كالفانوس
وهو ستر الأشياء بالنصّ فان ... في عيون المحقّق المطموس
والسّوى في القيود من كلّ شيء ... ليس ينفكّ أسرها والحبوس
إن بشرّ قد مسّ كان يؤوسا ... وبخير إن مسّ غير يؤوس
(1) حسا فلان المرق ونحوه: شربه شيئا بعد شيء وجرعة بعد جرعة. تقيّأ: تكلّف القيء.