الصفحة 30 من 645

ألقاه في البحر مكتوفا وقال له ... إياك إياك أن تبتلّ بالماء

حتى عليه فتى من أهل ملّتنا ... قد قال في ردّه نظما بإنشاء

إن حفّه اللّطف لم يمسسه من بلل ... وما عليه بتكثيف وإلقاء

وإن يكن قدّر المولى له غرقا ... فهو الغريق وإن ألقي بصحراء

يعني إذا كان في علم الإله له ... سعادة علمت من غير إشقاء

فهو السعيد وإن كانت شقاوته ... في العلم فهو شقيّ هكذا جائي

والعلم يتبع للمعلوم من أزل ... مقالة الحقّ للقوم الأخصاء

كذا الإرادة والتقدير يتبع ما ... في العلم من غير تأخير وإبطاء

فالله قدّر ما في العلم كاشفه ... بما بإيجاده سمى بأشياء

وإنما هي آثار ملازمة ... أيدي صفات من المولى وأسماء

إذ لا مضلّ بلا إضلاله أحد ... ولا يسمّى بهاد دون إهداء

ولا معزّ بلا شخص يعززه ... ولا مذلّ بلا قوم أذلاء

وهكذا سائر الأسماء منه لها ... قوابل كظلالات وأفياء

قديمة وهي معلوماته أزلا ... معدومة العين في محق وإفناء [1]

والله سمّي علّام الغيوب بها ... ترتبت هكذا ترتيب إنهاء

وهي التي كشف العلم القديم بها ... من قبل إيجادها فافطن لأنبائي

حتى أراد لها قدما فقدّرها ... طبق الذي هي فيه ضمن أجزاء

فلم يقدّر سوى ما العلم حققه ... ولا أراد سواه دون أخطاء

وقل على كلّ شيء حكم قدرته ... لكن بمعلومه خصّت بإبداء

ولم يكن عبثا تكليفه أبدا ... والكتب حقّ مع الرّسل الأدلاء

والأمر والنهي من ربّ العباد على ... عباده لا لسرّاء وضرّاء [2]

ولا لأجل امتثال الأمر أو غرض ... له تعالى ولا منع وإعطاء

وإنما هو تمييز الخبيث هنا ... من طيب ومراض من أصحاء

وفي القيامة عدل الله يظهره ... والفضل أيضا لأقوام أعزاء

فليس في شرعنا جبر ولا قدر ... وإنه فعل مختار بإمضاء

(1) المحق: الإبادة وذهاب الشيء كله حتى لا يرى منه أثر.

(2) السّرّاء: الخير والنعمة يسرّ بها (ضدّ الضراء) . الضراء: الشدّة والفقر والعذاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت