تأمّل سطور الكائنات فإنّها ... من الملإ الأعلى إليك رسائل
بحار المعاني ليس تدرك شطّها
وحم فوقها بالسبح إن كنت بطّها
وإياك رفع الكائنات وحطّها
لقد خطّ فيها لو تأمّلت خطّها ... ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل [1]
وقال رضي الله عنه ردّا على الزنادقة:
إنّ قولي مؤيّد بالنقول ... وبما تقتضيه كلّ العقول
عند من يعرف اصطلاحي ويدري ... شرح حالي بقصدي المقبول
لست ممّن يقول عن كلّ شيء ... إنّه الله قول كلّ جهول
قصده يدرأ التكاليف عنه ... مستبيحا أحكام شرع الرسول
إنّني منه كلّ حين بريء ... بل أنا العبد طالب للقبول
وإذا قلت ذاك كان مرادي ... صانع الشيء فاعل المفعول
حيث لا شيء جامد هو عندي ... بل كبرق يلوح بين الطلول
والذي عنه ذلك الشيء يبدو ... هو ربّ الفروع ربّ الأصول
مثل قول الخليل وقت التجلّي ... إنّ هذا ربّي بصدق المقول
وهو نجم بدا وبدر وشمس ... ثمّ كان امتيازه بالأفول
أخذ الجاهلون أقوال مثلي ... ثمّ قالوا بها على المجهول
لم يذوقوا منها الذي نحن ذقنا ... لا ولم يعرفوا حقيق النزول
إنّما قلّدوا بحفظ كلام ... وادّعاء له بغير حصول
وقصاراهم التخيّل فهما ... وهو فيهم من غاية المأمول
هم عوامّ لا يعلمون وهذا ... هو سرّ أعيا جميع الفحول
حاولته الفحول أن يدركوه ... فأبى من حجابه المسدول
فأزالوا نفوسهم وأتوه ... بافتقار ونائل مبذول
وسعوا نحوه به وأقاموا ... حكمه تاركين قول العذول
(1) في البيت إشارة إلى الحديث الشريف: «ألا كل شيء ما خلا الله باطل» أخرجه البخاري في (الصحيح 5/ 53) ، وأحمد بن حنبل في (المسند 2/ 248) ، وابن أبي شيبة في (المصنّف 8/ 507) ، وابن حجر في (فتح الباري 10/ 537، 11/ 321) .