فهرس الكتاب
كأنّ الوجود الخلق صار محقّقا ... وأمّا الوجود الحقّ فهو خيال
خيال لديهم ظاهر في نفوسهم ... لهم غائب عنهم وذاك مخال
فهم يعبدون الله فيما تخيّلوا ... وقد بان في كلّ العقول عقال
وإنّ الوجود الحقّ صار مقيّدا ... لديهم بأشيا تنمحي وتزال
فمن أجل هذا أنكروه وقد بدا ... وغاب وهامت في هواه رجال
به شغلوا عنه وآثار صنعه ... تقادير حالت دونه وظلال
فلا هم مع الأقوام فيما تحقّقوا ... ولا هم على تحقيقهم فيخال
وجهل على جهل فجهل مركب ... وليس لهم في دفع ذاك مجال
وقال رضي الله عنه:
ربّنا الله ذلك المتعالي ... عن جميع الأشباه والأمثال
عزّ في ملكه وجلّ فصارت ... عنه معقولة عقول الرجال
لا بذكر يدرونه أو بفكر ... أو بوهم ولا خطور ببال
فهو غيب كلّ الورى سبّحته ... بتصاويرها وبالأشكال
وهو مع ذلك التنزّه بادي ... يتجلّى بسافل وبعالي
وقريب للشيء من كلّ شيء ... وبعيد بعزّة وجلال
حركات الجميع مع سكنات ... كلّها منه عنه في كلّ حال
ما لشيء سواه تأثير فعل ... أبدا غير نسبة الأفعال
عرفته به أولو العلم منّا ... بعد محو النفوس باضمحلال
حيث لم يتركوا لهم فيه دعوى ... أثر من تحرّك أو مقال
وله أسلموا به فرأوه ... فاعلا عين فعلهم بالتوالي
ولهم محض نسبة الفعل أبقى ... للعبوديّة التي للكمال
كلّفتهم أحكامه أن يروها ... فهي منهم له على الإجمال
ظاهر عندهم بهم وهو عنهم ... باطن غائب بغير زوال
فهو من حيث ذاته في خفاء ... وهو من حيث وصفه في تلالي
واتصال لهم به حيث عنه ... وجدوا ثمّ هم به في انفصال
وقال رضي الله عنه:
إن ترم أن تعرف الأحوال ... والذي فيه أنا في الحال
والذي أشهده منّي ... دائما في الحلّ والترحال
والذي نفسي تحدّثني ... فيه بالإكثار والإقلال
أنا ذاتي والصفات كذا ... سائر الأقوال والأفعال
من عبادات وعصيان ... ومباحات لها إحلال
واعتقادات مؤكدة ... والذي يخطر لي في البال
من علوم الدين والدّنيا ... في بكور العمر والآصال
واشتغال الفكر ملتهيا ... والخطا والسّهو والإغفال
كلّ هذا دائما أبدا ... هو في الماضي وفي استقبال
خلق ربّي لي فينسب في ... رؤيتي للخالق الفعّال
تارة عندي فأشهده ... فعل ربّي ما به إشكال
فأراه كلّه مننا ... من إلهي وهو لي إقبال
وهو إحسان إليّ به ... وهو للإكرام والإجلال
فالذي من قسم طاعات ... محض إنعام بلا إهمال
والمباح القلب يقلبه ... طاعة بالقصد للإكمال
والذي من قسم معصية ... بدّلته توبة استعجال
وهو بالطاعات منقلب ... حسنا من أحسن الأعمال
ثمّ إني كلّ ذاك أرى ... إنّه فعلي على استقلال
وهو منسوب إليّ كما ... جاء في التكاليف باسترسال
طبق ما التشريع جاء به ... عن رسول الله ذي الأفضال
وهو منّي كلّه شكر ... وثناء ما به إخلال
للإله الحقّ خالقنا ... منجح المقصود والآمال
وإذا فعل تكون له ... نسبتان الأمر فيه مجال
سائغ لا شرع يمنعه ... لا ولا للعقل فيه عقال
نسبة لله جلّ كذا ... نسبة للعبد كيف يقال
وحقيقيّان أمرهما ... لا مجاز ذا ولبس محال
فأنا ما بين رؤية ذا ... فرط إنعام من المفضال
وأراه تارة منّي ... شكر ربّي الخالق المتعال
هذه في الله حالتنا ... فاسمعوا يا أيّها العذال
قد ذكرناها لرؤيتنا ... إنّها تخفى على الجهّال
فيظنون الطريق إلى ... علم غيب الله محض مقال
أو بفكر ذاك يحصل أو ... بتعاني ذكره المتوال
إنّما بالله جلّ إذا ... لازم التقوى بلا إهمال
واقتف آثار من سلفوا ... مع دوام الصدق والإقبال
وقال رضي الله عنه في كتابه الفتح المدني في النفس اليمني: