يا راحم الشيب في شيبه ... ويا كثير الفيض من سيبه
بعتك نفسي فترفّق بها ... من يشتري العبد على عيبه
إنّ ذنوبي عظمت كثرة ... فأوقعت قلبي في ريبه [1]
وقد خفي عبدك عن نفسه ... يا من هو الظاهر في غيبه
فاكشف له عنك وكن عونه ... في عجزه هذا وفي شيبه
أخرج يدا بيضاء فاسلك بها ... للعبد يا مولاي في جيبه
ولا تكله للسّوى إنه ... يرى السّوى دونك في صيبه
ومنه قوله رضي الله عنه:
خادم الله يخدم العزّ بابه ... وتودّ العلى تمسّ ركابه
وله من رضى الإله وشاح ... وعليه شهامة ومهابه
والسعيد السعيد من شملته ... نظرة منه أو حباه خطابه
لك طوبى إن كنت يوما تراه ... راضيا عنك قد أحاط حجابه
وإذا كان ساخطا قل سريعا ... إنما الله ساخط فتشابه
ومنه قوله رضي الله عنه في جواب أبيات وردت عليه من رجل اسمه حسن وفيها مؤاخذات لفساد في حال ناظمها:
لنا أتت منك أبيات محسنة ... حتى كأنّ اسمك المعروف حلّ بها
لسانها الرّطب بالتوحيد مشتغل ... وقلبها لم يزل في الله منتبها
وكلّ ما جمعته رونق وصفا ... وكلّ ما قد حوته بهجة وبها
سوى مقالك أنّ الكلّ ذلك هو ... فإنّ معناه صعب الفهم فانتبها
وابسط جوابك في معناه منبسطا ... فإنه لم يزل في الخلق مشتبها
وإنما كن كلام الله في أزل ... قديمة ليس بالإيجاد قرّبها
وقلت بالفرق بين الرتبتين فلا ... عبد كرب ولا بالعكس رتبها
فكيف قولك إنّ الكلّ ذلك هو ... فقد تناقض منك القول واشتبها
مني السّلام على أهل الهدى أبدا ... ما ذاقت الرّوح بالإحسان مشربها
ومنه قوله رضي الله عنه:
كلّ شيء لا يرى الرّحمن به ... فهو أحزان لقلب المنتبه
إنه في كلّ شيء ظاهر ... عند من يعرفه لا يشتبه
(1) الريبة: الظن، والشك والتهمة (ج) ريب.