تعلمت الحلم إلا من قيس بن عاصم المنقري [1] ؛ لأنه قتل ابن أخ له بعض بنيه، فأتى القاتل مكتوفا يقاد إليه، فقال: ذعرتم الفتى، ثم أقبل على الفتى فقال: بئس ما فعلت، نقصت عددك وأوهنت عضدك، وأشمت عدوك، وأسأت لقومك، خلوا سبيله واحملوا إلى أم المقتول ديته فإنها غريبة، ثم انصرف القاتل وما حل قيس حبوته ولا تغير وجهه [2] . وقال رجل للأحنف: علمني الحلم يا أبا بحر، فقال: هو الذل يا ابن أخي، أفتصبر عليه؟ وقال: لست حليما ولكنني أتحالم [3] . ومن أخبار حلمه، أن رجلا شتمه فسكت عنه، وأعاد الرجل فسكت عنه، وأعاد فسكت عنه، فقال الرجل: والهفاه، ما يمنعه من أن يرد علي إلا هواني عنده [4] . وكان يقول: من لم يصبر على كلمة سمع كلمات، ورب غيظ قد تجرعته مخافة ما هو أشد منه [5] . ولكن حلمه كان حلم القوي القدير لا حلم العاجز الضعيف، فقد قاتل في بعض المواطن قتالا شديدا، فقال له رجل: يا أبا بحر أين الحلم؟ فقال: عند الحي [6] .
ب- عقله:
كان الأحنف عاقلا راجح العقل، قال مرة: من كان فيه أربع خصال ساد قومه غير مدافع: من كان له دين يحجزه، وحسب يصونه، وعقل يرشده، وحياء يمنعه [7] .
وقال: العقل خير قرين، والأدب خير ميراث، والتوفيق خير رفيق [8] . وقال: ما ذكرت أحدا بسوء بعد أن يقوم من عندي. وكان يقول إذا ذكر عنده رجل: دعوه يأكل رزقه ويأتي عليه أجله [9] . وشكا ابن أخيه وجع الضرس فقال: ذهبت عيني منذ ثلاثين سنة ما ذكرتها لأحد [10] . وقال: ما نازعني أحد فوقي إلا عرفت له قدره، ولا كان دوني
(1) الاستيعاب (3/ 1294) .
(2) وفيات الأعيان (2/ 188) .
(3) قادة فتح السند وأفغانستان، ص306.
(4) قادة فتح السند وأفغانستان، ص306.
(5) قادة فتح السند وأفغانستان، ص306.
(6) المصدر نفسه، ص306، يعني بها: تركته في الدار.
(7) المصدر نفسه، ص306.
(8) تهذيب ابن عساكر (7/ 19) .
(9) المصدر نفسه (7/ 21) .
(10) المصدر نفسه (7/ 16) .