مصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك، وفاء لوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة المحمدية [1] .
2 -المرحلة الثانية في عهد أبي بكر - رضي الله عنه:
كان من ضمن شهداء المسلمين في حرب اليمامة كثير من حفظة القرآن، وقد نتج عن ذلك أن قام أبو بكر - رضي الله عنه - بمشورة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بجمع القرآن؛ حيث جمع من الرقاع والعظام والعسب ومن صدور الرجال [2] ، وأسند الصديق هذا العمل العظيم إلى الصحابي الجليل زيد بن ثابت الأنصاري - رضي الله عنه -، يروى زيد بن ثابت - رضي الله عنه - فيقول: بعث إليَّ أبو بكر - رضي الله عنه - لمقتل أهل اليمامة [3] ، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر - رضي الله عنه: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر [4] يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن [5] كلها فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [6] ؟ فقال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر عمر، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد: قال أبو بكر: وإنك رجل شاب عاقل، ولا نتهمك [7] ، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فتتبع القرآن فاجمعه [8] . قال زيد: فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان بأثقل علي مما كلفني به من جمع القرآن، فتتبعت القرآن من العسب [9] واللخاف [10]
وصدور الرجال والرقاع والأكتاف [11] . قال: حتى
(1) المدينة النبوية فجر الإسلام والعصر الراشدي، ص240، نقلا عن فتح الباري (9/ 12) .
(2) حروب الردة وبناء الدولة الإسلامية، أحمد سعيد، ص145.
(3) يعني وقعة يوم اليمامة ضد مسيلمة الكذاب وأعوانه.
(4) استحر: كثر واشتد.
(5) أي في الأماكن التي يقع فيها القتال مع الكفار.
(6) يحتمل أن يكون إنما لم يجمع القرآن في المصحف.
(7) هذه الصفات التي جعلت زيدا يتقدم على غيره في هذا العمل.
(8) أي: من الأشياء التي عندي وعند غيرك.
(9) العسب: هو جريد النخيل.
(10) اللخاف: جمع لخفة: وهي صفائح الحجارة.
(11) الرقاع: جمع رقعة وهي قطع الجلود. الأكتاف: جمع كتف، وهو العظم الذي للبعير أو الشاة.