لا ينافي شيء من هذه الأشياء جميعها الحرية الحقة، لأنها حرية الإنسان الراقي المنظم، ذي الرسالة السامية، المنظمة، والمنظمة للحياة أيضًا، ولكن ليس المقصود من الحجاب - كما يتخيله الجاهلون أو يصوره المغرضون - أن تحبس المرأة في بيتها لا ترى الناس، ولا تتنسم الهواء، وأن تختفي عن الحياة في الخارج اختفاء كاملًا.
وليس معنى القرار في البيت، أن تدخله عروسًا، ولا تخرج منه إلا إلى القبر، لا بل إنها تخرج، لا بد أن ترى الرجال ويرونها لأن الحياة وضروراتها تحتم ذلك، ولكن بضوابط الإسلام وفي إطار حدوده.
فليس الخروج هو الممنوع في ذاته، وإنما الهدف منه هو موضع السؤال، هل تخرج لتتعلم؟ أو لتعمل؟ أو لترى الشمس وتشم الهواء لا بأس في هذا كله في الشرع.
أما أن يكون في باطن إحساسها إثارة الفتنة، ويكون العلم والعمل والنزهة ساترًا لكل ذلك، فهنا يقع الحجر.
وهي تتعامل مع الرجل ويتعامل معها، ويكلمها وتكلمه، ويتبادلان الخدمات التي تحتمها ضرورات الحياة، في هذا الجو النظيف المكشوف الذي لا يخفي وراءه الفتنة، ولا دفع إليه غرض دنيء.
أما العواطف التي تثير في نفسها الحنين الفطري إلى الجنس الآخر، فهي شيء طبيعي، تستلزمه الفطرة، فلا تحتقر، ولا تكبت، ولا تستقذر، فليس الجنس دنسًا في ذاته، ولا هو حرام، ولكن يجب أن يوضع في إطاره الصحيح النظيف، وفي الزواج يجد الجنس مصرفه الطبيعي، يجده مرتبطًا بهدف أعلى وأسمى، وليس هو في ذاته كل الهدف المطلوب.
أما إذا لم يكن زواج فهناك علاج مؤقت، للتخفيف من سَورة تلك الغريزة وتحد من فورتها حتى يحين الزواج:
أولًا: يجب أن ينظف المجتمع من دواعي الإثارة المجنونة التي تستفز الشهوة وتحركها.
ثانيًا: يجب أن تجعل للحياة أهداف جادة تستنقذ الطاقة النفيسة، وترفعها عن الدنس المحظور.