الصفحة 14 من 34

قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور: 55] . فمتى حققوا العبادة الخالصة لله تعالى - ومن مقتضياتها التوكل عليه سبحانه وتعالى وحده دون سواه - تحقق لهم ما وعدهم الله تعالى من النصر والتمكين.

إن المتوكل على الله الذي يعلم أنه ما من حول ولا قوة ولا استطاعة لأحدٍ إلا بالله تعالى، وأن الخلق لو اجتمعوا كلهم على نفع شخص بمثقال ذرة لم ينفعوه، ولو اجتمعوا على أن يضروه لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، وعلم أنه على الحق، وأن الله تعالى حكيم رحيم في كل ما قدره وقضاه؛ فإنه لا يبالي بما أقدم عليه من قوة وكثرة، وكان واثقًا بربه، مطمئن القلب، لا فزعًا ولا جبانًا، ولهذا قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ} لا تغالب قوته قوة، {حَكِيمٌ} فيما قضاه وأجراه [الأنفال: 49] .

والمنافقون والذين في قلوبهم مرض لا يدركون حقيقة أسباب النصر وأسباب الهزيمة، فهم يرون ظواهر الأمور، دون أن تهديهم بصيرة إلي بواطنها، ودون أن يشعروا بالقوة الكامنة في العقيدة، والثقة فيه والتوكل عليه، واستصغار شأن الجموع والقوى التي لا تركن إلي عقيدة في الله تمنحها القوة الحقيقية، فلا جرم يظنون المسلمين يومئذٍ مخدوعين في موقفهم، مغرورين بدينهم، واردين موارد التهلكة، بتعرضهم لجحافل المشركين التي يرونها [1] .

(1) انظر: «التوكل على الله تعالى وعلاقته بالأسباب» ص (120 - 131) باختصار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت