الصفحة 28 من 34

فهؤلاء المثبطون لا هم لهم إلا بث الإشاعات لزلزلة القلوب وخلخلة الصفوف، فإنهم لما فقدوا الإيمان بنصرة الله لعبادة المؤمنين راحوا يشككون الناس في ذلك، ويتظاهرون بالحكمة والمنطق والعقل، فالعدو - في نظرهم - لا يمكن قهره لما يملكه من أسباب القوة والتقدم العلمي وبخاصة في مجال الحرب، فأنى لنا النصر على هؤلاء!! ولا يعلم هؤلاء المثبطون أن قوة الله عز وجل قاهرة، وأنه سبحانه وتعالى ينصر عباده وإن قلت أعدادهم وعتادهم، فـ {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249] ، وهو سبحانه وتعالى يعلم مكر هؤلاء {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} [إبراهيم: 46] ، ولكنه سبحانه يمكر بهم كما قال: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30] ، فهو سبحانه يوهن كيدهم، ويضل مكرهم كما قال: {ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ} [الأنفال: 18] ، وقال: {وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} [غافر: 25] .

فقوة هؤلاء لا تصمد أمام قوة عباد الله الذين يستمدون قوتهم من القوي المتين سبحانه وتعالى، بل تنهار قوتهم أمام هذه القوة الربانية، قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 41] .

فـ «قوة الله وحده هي القوة، وولاية الله وحده هي الولاية، وما عداه فهو واهن ضئيل هزيل مهما علا واستطال، ومهما تجبر وطغى، ومهما ملك من وسائل البطش والطغيان والتنكيل. إنها العنكبوت وما تملك من القوى ليست سوى خيوط العنكبوت {وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} » [1] .

من أسباب الثبات والنصر على الأعداء طلب الشهادة بصدق في سبيل الله، وأن يكون قلب المسلم موصولًا بالآخرة، متطلعًا إلى نعيم الجنة، خائفًا من عذاب الآخرة، فإن من كانت الآخرة همّه هانت عليه الدنيا بما فيها، بل هانت عليه نفسه وباعها رخيصة في سبيل الله، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111] .

لقد كان حرص المجاهدين الأوائل على الموت في سبيل الله من أكبر العوامل في انتصارهم على أعدائهم، حيث إنهم يحبون الموت في سبيل الله أكثر من محبة أعدائهم للحياة، فهم لا تطيب قلوبهم ولا يقرّ لهم قرار إلا بتحقيق أحد شيئين: إما النصر، وإما الشهادة في سبيل الله، وفي كلا الأمرين رضا خالقهم وقربهم منه سبحانه وتعالى: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ

(1) الظلال (5/ 2736) وما بعدها. وانظر: «الابتلاء وعوامل الثبات» ص (72، 73) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت