الصفحة 18 من 34

فإن كثيرًا من الناس قد ضلوا في هذا الموطن بسبب حسن ظنهم بأنفسهم وأعمالهم ودينهم، واعتقادهم أنهم قائمون بما يجب عليهم، تاركون ما نهوا عنه، وبعضهم يعاتب الرب تعالى قائلًا: لماذا تفعل بي كذا وكذا وقد آمنت بك، وصدقت رسلك، وقمت بما علي من فرائض وواجبات؟!! وهذا من أعظم الجهل؛ لأن المؤمن الحق يتهم دينه ولا يثق بأعماله، ويعتقد أنه مقصر وإن أحسن؛ لأنه لا يعلم هل قبل الله أعماله أم لا.

فمن الجهل أن يعتقد العبد أنه قائم بفعل المأمور ظاهرًا وباطنًا، تارك للمحظور ظاهرًا وباطنًا، «فإن العبد كثيرًا ما يترك واجبات لا يعلم بها، ولا بوجوبها، فيكون مقصرًا في العلم، وكثيرًا ما يتركها بعد العلم بها وبوجوبها إما كسلًا أو تهاونًا، أو لنوع تأويل باطل أو تقليد، أو لظنه أنه مشتغل بما هو أوجب منها أو لغير ذلك، فواجبات القلوب أشد وجوبًا من واجبات الأبدان وآكد منها، وكأنها ليست من واجبات الدين عند كثير من الناس، بل هي من الفضائل والمستحبات. فتراه يتحرج من ترك فرض، أو من ترك واجب من واجبات البدن وقد ترك ما هو أهم من واجبات القلوب وأفراضها، ويتحرج من فعل أدنى المحرمات، وقد ارتكب من محرمات القلوب ما هو أشد تحريمًا وأعظم إثمًا» [1] .

والمقصود هو ما جاء في قوله تعالى: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ

(1) «إغاثة اللهفان» (2/ 260، 261) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت