إن حكمة الابتلاء أن يتبين الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق، قال تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 23 - 24] .
«بين الله سبحانه أنه أتى بالأحزاب ليجزي الصادقين بصدقهم حيث صدقوا في إيمانهم، كما قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15] .
فحصر الإيمان في المؤمنين المجاهدين، وأخبر أنهم هم الصادقون في قولهم: {آَمَنَّا} لا من قال كما قالت الأعراب: {آَمَنَّا} والإيمان لم يدخل في قلوبهم، بل انقادوا واستسلموا. وأما المنافقون فهم بين أمرين: إما أن يعذبهم، وإما أن يتوب عليهم» [1] .
ومن علامات الرجال الصادقين: أنهم لا يتزلزلون في مواقف المحن، ولا يسيطر عليهم الخوف والوهن فيدفعهم إلي الفرار أو الاستسلام، بل إنهم يثبتون ويصبرون ويتوكلون على ربهم، ويدافعون عن دينهم حتى يقضي الله فيهم بما شاء، بل إن هذه المواقف الصعبة والمحن العظيمة لا تزيدهم إلا إيمانًا وتسليمًا كما قال تعالى: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ
(1) «مجموع فتاوى شيخ الإسلام» (28/ 461) .