ولا زال علماء الإسلام من كل مذهب على مر العصور وتصرم الدهور يصرحون بمشروعية دفع المال من زكوات وصدقات للجهاد والمجاهدين.
-قول الأحناف:
قال في حاشية ابن عابدين (2/ 343) قوله وهو منقطع الغزاة أي الذين عجزوا عن اللحوق بجيش الإسلام لفقرهم بهلاك النفقة أو الدابة أو غيرهما، فتحل لهم الصدقة وإن كانوا كاسبين إذ الكسب يقعدهم عن الجهاد.
-قول المالكية:
وقال ابن العربي في أحكام القرآن (2/ 969) قال مالك سبل الله كثيرة ولكني لا أعلم خلافًا في أن المراد بسبيل الله هاهنا الغزو من جملة سبيل الله، إلا ما يؤثر عن أحمد وإسحاق فإنهما قالا: إنه الحج.
والذي يصح عندي من قولهما أن الحج من جملة السُبل مع الغزو، لأنه طريق بر، فأعطي منه باسم السبيل، وهذا يحل عقد الباب، ويخرم قانون الشريعة وينثر سلك النظر، وما جاء قط بإعطاء الزكاة في الحج أثر. . . . . . .
وقال محمد بن عبدالحكم يعطى من الصدقة في الكراع والسلاح، وما يحتاج إليه من آلات الحرب وكف العدو عن الحوزة، لأنه كله من سبيل الغزو ومنفعته وقد أعطي النبي - صلى الله عليه وسلم - مائة ناقة في نازلة سهل بن أبي حثمة إطفاء للثائرة.
-قول الشافعية:
قال النووي في روضة الطالبين (2/ 326) فرع هل يدفع إلى ابن السبيل جميع كفايته، أو ما زاد بسبب السفر؟ وجهان أصحهما الأول.
فرع وأما الغازي، فيعطى النفقة والكسوة مدة الذهاب والرجوع، ومدة المقام في الثغر وإن طال، وهل يعطى جميع المؤنة أم ما زاد بسبب السفر؟ فيه الوجهان كابن السبيل، ويعطى ما يشتري به الفرس إن كان يقاتل فارسًا، وما يشتري به السلاح وآلات القتال، ويصير ذلك ملكًا له، ويجوز أن يستأجر له الفرس والسلاح، ويختلف الحال بحسب كثرة المال وقلته، وإن كان يقاتل راجلًا فلا يعطى لشراء الفرس.
وقال سلطان العلماء العز بن عبد السلام - بعد أن جمع قطز أحد سلاطين المسلمين في مصر آنذاك، القضاة والفقهاء، يستشيرهم في تحرك التتار نحو بلاد الشام - إنه إذا طرق العدو بلاد الإسلام وجب على العالم قتالهم، وجاز لكم أن تأخذوا من الرعية ما تستعينون به على جهادكم، بشرط أن لا يبقى في بيت المال شيء، وتبيعوا مالكم من الحوائص المذهبة، والآلات النفيسة، ويقتصر كل الجند على مركوبه وسلاحه، ويتساووا هم والعامة، وأما أخذ الأموال مع بقايا في أيدي الجند من الأموال والآلات الفاخرة فلا، وانفض المجلس على ذلك. . . .) وكان الاعتماد على ما يقوله العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى [النجوم الزاهرة، في أحداث سنة 657/ 7/72 - 73] .
-قول الحنابلة:
قال ابن قدامة في المغني كل ما في القرآن من ذكر سبيل الله إنما أريد به الجهاد إلا اليسير، فيجب أن يحمل ما في الآية على ذلك، لأن الظاهر إرادته به لأن الزكاة إنما تصرف إلى أحد رجلين: محتاج إليها كالفقراء والمساكين وفي الرقاب، والغارمين لقضاء ديونهم، أو ممن يحتاج إليه المسلمون كالعامل والغازي والمؤلف والغارم لإصلاح ذات البين. . . .
وقال في الشرح الكبير (2/ 713) مسألة والغازي ما يحتاج إليه لغزوه وإن كثر، فيدفع إليه قدر كفايته، وشراء السلاح والفرس إن كان فارسًا، وحمولته ودرعه وسائر ما يحتاج إليه لغزوه وإن كثر، لأن الغزو إنما يحصل بذلك.
وقال في غاية المنتهي وشرحه (يجوز للإمام أن يشتري من مال الزكاة فرسًا ويدفعها لمن يغزو عليها، ولو كان الغازي هو صاحب الزكاة نفسه، لأنه بريء منها بدفعها للإمام، كما يجوز له أن يشتري منها أيضًا سفنًا ونحوها للجهاد لأنها من حاجة الغازي ومصلحته، وكل ما فيه مصلحة للمسلمين يجوز للإمام فعله لأنه أدرى بالمصالح من غيره) مطالب أولي النهى [2/ 147 - 148] .