آراء الأئمة المجتهدين: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في الفتاوى (28/ 274) على الأصناف الثمانية الذين ذكرهم الله تعالى في أهل الزكاة (وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ) وهم الغزاة، الذين لا يعطون من مال الله ما يكفيهم لغزوهم، فيعطون ما يغزون به، أو تمام ما يغزون به، من خيل وسلاح ونفقة وأجرة.
وقال أيضًا رحمه الله تعالى في الفتاوى (28/ 421) ولا يفوت مثل هذه الغزاة إلا من خسرت تجارته، وسفه نفسه، وحرم حظًا عظيمًا من الدنيا والآخرة، إلا أن يكون ممن عذر الله تعالى، كالمريض والفقير والأعمى وغيرهم، وإلا فمن كان له مال وهو عاجز ببدنه فليغز بماله، ففي الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال (من جهز غازيًا فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا) ومن كان قادرًا ببدنه وهو فقير فيأخذ من أموال المسلمين ما يتجهز به سواء كان المأخوذ زكاة، أو صلة، أو من بيت المال أو غير ذلك، حتى لو كان الرجل قد حصل بيده مال حرام وقد تعذر رده إلى أصحابه لجهله بهم ونحو ذلك، أو كان بيده ودائع، أو رهون، أو عوار قد تعذر معرفة أصحابها فلينفقها في سبيل الله، فإن ذلك مصرفها.
وقال تلميذه العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد (3/ 558) في الكلام على فوائد غزوة تبوك:
ومنها: وجوب الجهاد بالمال، كما يجب بالنفس، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد وهي الصواب الذي لا ريب فيه، فإن الأمر بالجهاد بالمال شقيق الأمر بالجهاد بالنفس في القرآن وقرينه، بل جاء مقدمًا على الجهاد بالنفس في كل موضع، إلا موضعًا واحدًا وهذا يدل على أن الجهاد به أهم وآكد من الجهاد بالنفس، ولا ريب أنه أحد الجهادين كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (من جهز غازيًا فقد غزا) فيجب على القادر عليه كما يجب على القادر بالبدن، ولا يتم الواجب بالبدن إلا ببذله، ولا ينتصر إلا بالعدد والعُدد، فإن لم يقدر أن يكثر العَدد، وجب عليه أن يمد بالمال والعُدة، وإذا وجب الحج بالمال على العاجز بالبدن، فوجوب الجهاد بالمال أولى وأحرى.
وقال الشوكاني في السيل الجرار (2/ 59) قوله (وفي سبيل الله المجاهد الفقير) أقول (الشوكاني) قد عرفناك حديث أبي سعيد المذكور قريبًا فيه التصريح بعدم اشتراط الفقر فيمن اشتمل عليه، ومن جملتهم الغازي كما سبق، وفي لفظ منه (لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله، أو ابن السبيل، أو جار فقير يتصدق عليه) .
وقال صديق حسن خان على هذه الآية في فتح البيان (4/ 151) : هم الغزاة والمرابطون يعطون من الصدقة ما ينفقون في غزوهم ومرابطتهم وإن كانوا أغنياء، وهذا قول أكثر العلماء.
فالسنة قد دلت على أنه يصرف على هذا الصنف مع الغنى، والقرآن لم يشترط فيه الفقر فلم يبق ما يوجب هذا الاشتراط بل هو مجرد رأي بحت، فيصرف إليه ما يحتاجه في الجهاد من سلاح ونفقة وراحلة، وإن بلغ أنصباء كثيرة، ولا وجه لاشتراط الإيمان بل كل مسلم مصرف لذلك إذا بذل نفسه للجهاد، ولاسيما إذا كان له شجاعة وإقدام فإنه أحق من المؤمن الضعيف.
وهذه النقولات عن الأئمة والعلماء من كل مذهب، يؤكد بعضها بعضًا، في وجوب دفع الزكوات والصدقات للمجاهدين سواء في فلسطين المحتلة أو الشيشان أو أفغانستان أو كشمير أو الفلبين أو غير ذلك من بلاد المسلمين التي تسلط عليها الأعداء فقتلوا رجالاتهم، واستباحوا نساءهم، وشردوا أطفالهم، وهدموا بيوتهم ومساكنهم.
والذين يمتنعون عن بذل الزكوات والصدقات في وقت محنة المجاهدين، ووقت تطاير الرؤوس وتقطع الأشلاء، يُعَدُّون من الذين يكنزون أموالهم، وهذا ذنب كبير.