الصفحة 46 من 64

والحقيقة أن سعي الزوج لسد احتياج الزوجة يمثل عند المرأة دليل اهتمام بها، وهذا الجانب النفسي لا يقل شأنًا عن الجانب المادي بل يزيد، وهذا الجانب يتحقق عند المرأة إذا أحست أن الزوج يبلغ أقصى ما في وسعه من أجلها، أو الاعتذار الكريم عن تحقيق رغبة لها لم يتمكن من تحقيقها، وهذا هو المقصود بالقول الميسور في قول الله عز وجل: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا} (الإسراء: 28) ، أي إذا سالك أقاربك ومن أمرناك بإعطائهم وليس عندك شيء وأعرضت عنهم لفقد النفقة، {فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا} أي عدهم وعدًا بسهولة ولين إذا جاء رزق الله فسنصلكم إن شاء الله، هكذا فسر قوله: {فَقُل لَّهُمْ قَوْلًا مَّيْسُورًا} بالوعد مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغير واحد [1] .

وبذلك يمكن الاهتداء بهذا التوجيه القرآني في التعامل مع الزوجة للاستفادة من حكمته.

وعندما تكون للزوجة رغبة نفسية ليس لها جانب مادي فيجب عدم الاستهانة بالاستجابة إليها، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم والحبشة يلعبون بحرابهم في المسجد في يوم عيد، فقال: يا حُميراء(تصغير الحمراء يريد البيضاء) أتحبين أن تنظري إليهم؟ فقلت: نعم، فأقامني وراءه، فطأطأ إلى منكبيه، لأنظر إليهم، فوضعت ذقني على عاتقه، وأسندت وجهي إلى خده، فنظرت من فوق منكبيه - وفي رواية من أذنه وعاتقه - وهو يقول: دونكم يا بني أرفدة حتى شيعت) [2] ، وبذلك نخرج بقاعدة مهمة في الاستجابة لرغبة الزوجة، فإذا كانت الرغبة مادية فيجب أن يكون تحقيقها بقدر الإشباع، وبهذه القاعدة لا نتجاوز الرغبات المادية الفعلية، ولا نقصر في تحقيقها نفسيًا، وهذا هو عين الرضا.

ومن أهم الأمور التي تحقق للمرأة إحساسها مع زوجها ورضاها عن بيتها هو ألا ترى زوجها يعيبها في تصرفاتها ووظيفتها كزوجة، وعلي هذا يجب على كل زوج أن يتخلَّق بأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الناحية، إذ تقول السيدة عائشة عن الطعام: (ما عاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه) [3] .

وعن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سأل أهله الأدم فقالوا: ما عندنا إلا الخل، فأخذ يقول: (نِعم الأدم الخل) [4] .

وكذلك لا ترى الزوجة زوجها يعيبها في شكلها ومظهرها، ولذلك نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يقبَّح الرجل زوجته فيقول لها: قبَّحك الله.

كما يجب على الرجل أن يستجيب لطبيعة المرأة التي لا يمكن أن تتغير فيها مثل طبيعة حب الحديث التي تعتبر من أبرز طبائع المرأة، فيتحتم على الرجل سماع حديث زوجته، وأن يُظهر تجاوبًا واهتمامًا، وهذا حديث لعائشة سمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم منها استجابة لطبيعتها: (حدثنا هشام بن عروة عن عبد الله بن عروة عن عائشة قالت: جلست إحدى عشرة امرأة تعاهدون وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئًا.

قالت الأولى: زوجي لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقي ولا سمين فينتقي.

قالت الثانية: زوجي لا أبثّ خبره، إني أخاف أن لا أذره، إن أذكره أذكر عجره وبجره.

قالت الثالثة: زوجي العشنق إن أنطق أطلق وإن أسكت أعلق.

قالت الرابعة: زوجي كليل تِهامة لا حر ولا قر ولا مخافة ولا سآمة.

(1) ابن كثير ص 65: 67.

(2) البخاري في (العيدين) ، ومسلم في (الصلاة) ، (892) من حديث عائشة رضي الله عنها.

(3) متفق عليه: البخاري في (الأطعمة) (547/ 9) ، ومسلم (2064) ن عن أبي هريرة.

(4) أخرجه مسلم في (2051) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه. وهو مما انفرد به دون البخاري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت