خيرة الناس من المؤمنين، لو انهار أمام سخريّة الذين كانوا يمرّون عليه وهو يبنيها وهم يضحكون من عمله ويستخفّون به؟
فإذا اقتنعت بصلاح عمل فلا تعر أذنًا صاغية لكلام الناس، وإذا اقتنعت ببطلان عمل فلا تهتم بما يدّعون من أ نّه صالح، أو يجب الأخذ به، فهم لا ينطلقون دائمًا من حجّة دامغة أو برهان ساطع أو دليل قاطع، بل كثيرًا ما يطلقون الكلام على عواهنه، ولعلّك تتذكر قصّة (جحا والحمار) فلقد اعترض الناس على كلّ الحالات التي تعامل بها مع حماره.
فحينما سار هو وابنه خلف حمارهما انتقدهما الناس بأ نّهما لم يستفيدا من واسطة النقل المتاحة، وحينما ركبا عليه معًا، قالوا: إنّهما ظالمان قاسيان فقد أثقلا ظهر الحمار، وحينما ركب الأب وسار الابن خلف الحمار، اتهموا الأب بالأنانية لأ نّه لم يركب ولده، وحين ركب الولد وحده، قالوا عنه أ نّه عاقّ لأبيه، وحين حملا الحمار على عاتقيهما سخر الناس من بلاهتهما!
ومن أبلغ ما يمكن أن تتذكره، وأنت تشقّ طريقك بخطى واثقة في زحام كلام الناس، قول موسى (عليه السلام) لله تبارك وتعالى: «ربّ نجِّني من ألسنة الناس! فجاءه النداء: يا موسى! أنت تطلب منِّي شيئًا لم أصنعه لنفسي» !!
وحتى لا يختلط الفهم ويساء، فليس كلّ كلام الناس مرفوضًا، ففيه الصائب وفيه الحقّ، وفيه الخير، وفيه الصالح، وفيه النافع. ولكنّنا نشير إلى كلام أولئك الذين يثبّطون العزائم، ويسخرون من العاملين، ويضغطون عليك لتمارس عملًا منكرًا لأ نّهم عملوه، أو تترك معروفًا لأ نّهم تركوه ..
أولئك يريدون أن يوقعوك في الحفرة التي وقعوا فيها.
فدقِّق النظر جيِّدًا، فلقد قيل لحكيم: من أين تعلّمت الحكمة؟ فقال: من العميان، لأنني رأيتهم لا يقدّمون رجلًا ولا يؤخرون أخرى إلاّ بعد أن يتثبّتوا من مواضع أقدامهم!!
وعلى هذا أيضًا، فإنّ تنمية الثقة بالنفس والقدرة على صنع القرار واتخاذ الاختيار المناسب، تعدّ عاملًا مهمًا من عوامل مواجهة الضغوط، فحتى لو هتف الناس بأ نّك ضعيف، وأنت تشعر بالقوّة من خلال امتلاكك لامكاناتها، فيجب أن يطغى شعورك بالقوة على هتافهم بضعفك، فقد ورد في الحديث أ نّه لو كان بيدك (جوزة) وقال الناس عنها أنّها (لؤلؤة) فلا يجعلك ذلك تصدّق إدعاءهم أنّها (لؤلؤة) . ولو كان في يدك لؤلؤة وقال الناس عنها أنّها جوزة، فلا يقلل ذلك