وينشأ القرار السليم من تمحيص الاراء والصراع فيما بيها والنظر الجاد في البدائل المطروحة. وهذا درس من اهم الدروس المستوفاة في سلوك النبي عليه السلام كما اوردناه اعلاه.
وقد زادت اليوم التقنية ووسائل الاتصال من القدرة على استيفاء متطلبات الشورى، فقد اصبح من الممكن نشر المعلومات الاساسية لاتخاذ القرار وتوزيعها بسرعة، واصبح تبادل الرؤى سهلًا ميسرًا، ونورد وصفًا موجزًا لبعض تلك الوسائل في الفصل الخاص بالاتصال من هذا الدليل.
كثيرًا ما نواجه مشكلة التوصل الى اتفاق مع من لهم مصالح واهتمامات ووجهات نظر تختلف عما لدينا. كما نجد في مثل هذه الحالات ان الحل يقتضي اخذًا وعطاءً وهو ما يعرف بالتفاوض.
والتفاوض فن يتطلب فهم النفسية البشرية، فكلما عرفنا المزيد من احتياجات الطرف الاخر ودوافعه، زادت فرصة اتخاذ القرار الصالح لحل المشكلة القائمة حلًا فعالًا. والتفاوض ليس لعبة تنتهي بالفوز او الخسارة، او محاولة اكتساح الطرف الاخر وارغامه على القبول بمطالبنا، لكنه عمل يقوم من اجل التوصل الى نتائج مفيدة تفي بالمبادىء وتتمشى مع العقل والمعايير الموضوعية.
والليونة في التفاوض كالتصلب، اذ ان الطرف الاقدر على ممارسة ضغط اكبر يحقق ما يريد بغض النظر عن الاصلح او الافضل للطرفين. والمنهج الصحيح في ذلك هو التركيز على معطيت الحالة نفسها كأساس للتفاوض. والتفاوض موضوع واسع جدًا، ونورد في الجدول التالي لمحات مفيدة من كتاب «التفاوض للوصول الى نعم!» للكاتبى روجر فيشر ووليام اوري:
التسوية او الحل الوسط فكرة مصاحبة لموضوع التفاوض، ومن احسن من بين الملامح الاسلامية لاسلوب الموازنة بين الحق والباطل الامام ابن تيمية في كتابه «الحسبة في الاسلام» ، حيث اوضح ان من شروط ذلك ما يلي:
أ - لا يجوز الامر بالمعروف او النهي عن المنكر الا بعلم وروية.
ب - اذا كان الحق بينًا فيجب الاخذ به ولو استلزم ذلك باطلًا اقل منه درجة.
ج - اذا كان الباطل بينًا فيجب النهي عنه ولو استلزم ذلك فوات حقٍّ اقل منه درجة.
د - لا يجوز النهي عن باطل اذا استلزم ذلك ضياع حق اكبر.
هـ - اذا تكافأ الحق والباطل وتلازما بحيث لا يمكن فصلهما فلا يؤمر بهما ولا ينهى عنهما.
و - لا يجوز الامر والنهي في المسائل الخلافية.
يعتقد البعض ان وجود القرآن الكريم كاملًا بين ايدينا كفيل بتحقيق الخير والتقدم دون اعمال فكرنا في تطبيقه. لقد منح الله الانسان العقل لاستخدامه في فهم الدين وتطبيقه، وهو ما يجعل الانسان في مرتبة اعلى من مرتبة الحيوان. فالانسان ليس اكبر المخلوقات جسمًا ولا اطولها قامة ولا اكثرها قوة، لكنه يفوقها بالعقل والتفكير.
نعمة العقل: قصة رمزية