عقوبة الله القدرية وفي غالب الأحيان تكون أشد من العقوبات الشرعية، وإن كانت العقوبة الشرعية خاصة أو تخص من باشرها فإن العقوبات القدرية عامة تخص من باشر الجرم ومن لم يباشر وخاصة إذا لم ينكر المنكر ولم يؤمر بالمعروف.
فقد روى الإمام أحمد عن قيس قال: قام أبو بكر رضي الله عنه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم وإنا سمعنا رسول الله صلى اللهم عليه وسلم يقول إن الناس إذا رأوا المنكر فلم ينكروه أوشك أن يعمهم الله بعقابه} .
وروى الإمام أحمد في مسنده عن عبيد الله بن جرير عن أبيه: (أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز وأكثر ممن يعمله لم يغيروه إلا عمهم الله بعقاب) [مسند الكوفيين:18433] .
فإن المعصية ما دامت سرا ولم يجهر بها فلا تتنزل عقوبة الله العامة، فإذا جهر بها ولم ينكرها الناس عمهم الله بعقاب من عنده، فإن أهل محلة السبت تحايلوا على أوامر الله ففشت فيهم المعصية سرا وأكلوا السمك فلم يعمهم الله بالعقاب حتى باعوه في الأسواق {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون} .
فإذا ظهرت الموبقات في قوم فشربوا الخمر وفشا فيهم الزنا واستحلوا المعازف وتعاملوا بالربا ونحوا شريعة ربنا الجبار، جاء الخبر من السماء أن العقاب يعم وأن الزلازل عقاب لا مناص عنه حتى يعودوا إلى ربهم ويعتذروا إلى الله من جرمهم.
روى الإمام أحمد في مسنده عن منذر الثوري عن الحسن بن محمد قال: (حدثتني امرأة من الأنصار هي حية اليوم إن شئت أدخلتك عليها قلت لا حدثني قالت دخلت على أم سلمة فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه غضبان فاستترت منه بكم درعي فتكلم بكلام لم أفهمه فقلت يا أم المؤمنين كأني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل وهو غضبان فقالت نعم أوما سمعت ما قال قلت وما قال قالت قال إن الشر إذا فشا في الأرض فلم يتناه عنه أرسل الله عز وجل بأسه على أهل الأرض قالت قلت يا رسول الله وفيهم الصالحون قالت قال نعم وفيهم الصالحون يصيبهم ما أصاب الناس ثم يقبضهم الله عز وجل إلى مغفرته ورضوانه أو إلى رضوانه ومغفرته) [باقي مسند الأنصار: 25318] .
وفي سنن ابن ماجه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان عليهم ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم) [كتاب الفتن:4009] .
وروى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا اتخذ الفيء دولا، والأمانة مغنما، والزكاة مغرما، وتعلم لغير الدين، وأطاع الرجل امرأته وعق أمه، وأدنى صديقه وأقصى أباه، وظهرت الأصوات في المساجد، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وأكرم