الصفحة 20 من 72

ولا أن ما يخفى عليه يغيبُ ... ولا تحسبن الله يغفلُ ساعة

وأن غدًا للناظرين قريبُ ... ألم تر أن اليوم أسرع ذاهب

قال كعب:"والذي فلق البحر لبني إسرائيل، إني لأجد في التوراة مكتوبًا: يا ابن آدم، اتق ربك، وصل رحمك، وبر والديك، يمدَّ لك في عمرك، وييسر لك يُسرك، ويُصرف عنك عُسرك."

قال مالك بن دينار:"إن القلب إذا لم يكن فيه حُزن خرب كما يخرب البيت إذا لم يكن فيه ساكن، وإن قلوب الأبرار تغلي بأعمال البر، وإن قلوب الفجار تغلي بأعمال الفجور، والله يرى هُمومكم، فانظروا ما همومكم؟ رحمكم الله."

وعن الحسن البصري قال:"إنكم وقوف ها هنا تنتظرون آجالكم، وعند الموت تلقون الخبر، فخذوا مما عندكم لما بعدكم."

وقال أبو حاتم: الواجب على العاقل أن يأخذ مما عنده لما بعده، من التقوى والعمل الصالح بإصلاح السريرة، ونفي الفساد عن خلل الطاعات، عند إجابة القلب وإبائه، فإذا كان صحة السبيل في إقباله موجودًا أنقذه بأعضائه، وإن كان عدم وجوده موجودًا كبحه عنها، لأن بصفاء القلب تصفو الأعضاء.

وأنشد المنتصر الأنصاري:

لفي وحشةٍ من كل نظرة ناظر ... وإن امرأً لم يصف لله قلبُه

إلى داره الأخرى فليس بتاجر ... وإن امرأً لم يرتحل ببضاعة

لمنقلب منها بصفقة خاسر ... وإن امرأ ابتاع دنيا بدينه

وذلك حاصل لمن زهد في التجارة مع الله سبحانه واستبدل الحصى بالدر، والنار بالجنة، والبوار بالقرار، وذلك هو المغبون الخاسر في الدنيا والآخرة كقوله تعالى (فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين) ، وهو كما قال الشاعر:

فلا ديننا يبقى ولا ما نرقعُ ... نرقع دنيانا بتمزيق ديننا

وجاد بدنياه لما يتوقعُ ... فطوبى لعبد آثر الله ربه

وعن خالد الرّبعي قال:"كان لقمان عبدًا حبشيًا نجارًا، فأمره سيده أن يذبح شاةً فذبح شاة، فقال له: ائتني بأطيب مضغتين في الشاة، فآتاه باللسان والقلب، ثم مكث أيامًا، فقال: اذبح شاة فذبح، فقال له: ألقِ أخبث مضغتين في الشاة، فألقى إليه اللسان والقلب، فقال له سيده: قلت لك حين ذبحت الشاة: ائتني بأطيب مضغتين في الشاة، فأتيتني باللسان والقلب، ثم قلت لك الآن حين ذبحت الشاة: ألقِ أخبث مضغتين في الشاة، فألقيت اللسان والقلب؟ فقال: إنه لا أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا."

إذا حصلت أخباره ومداخله ... وما المرء إلا قلبه ولسانه

فهيهات أن ينقمه بالماء غاسله ... إذا ما رداء المرء لم يك طاهرًا

وما كل ما أملته أنت نائله ... وما كل من تخشى ينالك شره

نعم إن معقد الصلاح والطهارة في الباطن حيث القلب، وإن المظهر تبع للمخبر، فمن صحت سريرته صحت علانيته، وقد كنى عن الباطن بالثياب (الرداء) على لغة من جعله بمعنى القلب كقوله تعالى {وثيابك فطهر} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت