وإذا كان ما ذكرنا هو بعض أحوال المناضلين المجاهدين الثائرين الذين كانت دماؤهم تغلي كالمراجل ثم أصبحت باردة كالجليد بعد أن عاشوا الحضارة والمدنية، وتمتعوا بالاستقرار تحت مظلة اللجوء السياسي، وضمان النظام الدولي الجديد، وشهامة أخلاق أوروبا المتحضرة، ونزاهة حضارة الغرب وماديته.
أقول: إذا كان ذلك هو حال من يدَّعون القيادة في الجهاد أو يُوصفون بها فلا عجب من أحوال من يزعمون أنهم وسطاء المجاهدين ووكلاؤهم، ممن ارتضوا العيش والحرية والحركة تحت مظلة النظام المصري.
لذا لم يكن غريبًا أن يكتب أحدهم - بلا حياء - بأنه يطالب بعودة نشاط الحركة الجهادية علنيًا تحت سمع الحكومة وبصرها - لكي ترعاها وتكلأها - وبضمانه ووساطته ومبادراته وتعهداته.
ولم يكن غريبًا أيضًا أن يصدر منهم ما يصدر وهم يتحركون في حرية ويتصلون بوكالات الأنباء، ويقابلون الصحفيين، ويدلون بالأحاديث للقنوات الفضائية، ويعقدون في مكاتبهم المؤتمرات الصحفية، بل ويروحون ويجيئون عبر بوابات السجون المغلقة منذ ما يزيد على أربع سنوات ينشرون دعوة الاستسلام والإرجاف والتثبيط، ويحصلون من المعتقلين البؤساء المقهورين على بيانات التراجع عن الجهاد، ثم يطيرون بها إلى وكالات الأنباء لتكون مدار حديث الصحف والمجلات والإذاعات.
إن ظهور هؤلاء المتراجعين الناكصين وأولئك المخذلين المرجفين أمر عرفه تاريخ الدعوات وسيرة الرسل والصالحين عبر مراحل التاريخ.
ونحن في هذا المقام؛ نحذر هؤلاء وأمثالهم من أن يكون حالهم كحال الطوائف المترددة المذبذبة المتسارعة إلى الفرار من ميدان الجهاد التي حكى عنها القرآن الكريم، ونذكِّرهم بحال الطائفة الثابتة المطمئنة الباقية على عهدها مع ربها والموفية بميثاقها مع خالقها التي لم تزعزعها الحوادث ولم تهزها الابتلاءات ولم تزدها الشدائد إلا إيمانًا وتسليمًا.
{لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا * ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا * من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلًا} .