وثالث هؤلاء:
الممرض الذي كان يعمل بعيادتي قبل القبض علي، وكان هذا الرجل الشهم البسيط صورة للإنسان المصري الذي طحنته مصاعب الحياة، فقد كان يعمل في الصباح في مهنة مساعد طباخ في أحد المستشفيات الحكومية، وكان يعاني من حصوات في كليته غالبًا نتيجة للبلهارسيا - أحد معالم مصر -، وكان نازحًا من قريته ويسكن في غرفة تحت الأرض في حي شعبي يتكدس فيها هو وأسرته الكبيرة، وقد لاقى هذا الرجل الشهم بسببي مصاعب ونكبات وغني عن الذكر، فقد اعتقل بعد القبض علي، ثم اتهمته المباحث بأنه حامل الرسائل بيني وبين الإخوة المجاهدين، وبالتالي طالبوه بأن يذكر اسماء من يعرفهم من المجاهدين، وعبثًا حاول المسكين أن يفهمهم أنه لا صلة له بأي شيء من ذلك، والأدهى من ذلك أن زوجته المسكينة لما ذهبت للسؤال عنه عندما علمت بالقبض عليه احتجزوها في قسم الشرطة مع الساقطات والمجرمين، رغم كل هذا العناء والبلاء الذي لاقاه هذا الرجل الكريم بسببي، فقد وجدته بين المهنئين بخروجي، وقد جاء وهو يحمل الشربات والسكر وكأن شيئًا لم يحدث له بسبب عمله في عيادتي.
بل وظل يتردد علي في عيادتي زائرًا لمراتٍ عديدة يشرب الشاي معي دون أن يأبه لاهو والآخران ببطش الشرطة التي كانت تراقبني سرًا وجهرًا ووضعي تحت نظام"المراقبة الجبرية"حيث يتوجب علي ملازمة منزلي من الغروب للشروق والتفتيش علي في كل ليلة ... إلى آخر هذه القيود التي يحفظها الشباب المسلم المجاهد عن ظهر قلب.
لم يبال هؤلاء البسطاء بما يعرفه الجميع من بطش الحكومة وعسفها وتعذيبها للمسلمين في مصر، وجاءوا وهم يعلمون ما قد يدفعونه ثمنًا لهذا الشربات والسكر من إهانات ومضايقات.
وفي مقابل هؤلاء البسطاء الذين يمكن أن يتجاهلوا تهنئتي للخروج من السجن دون أن يلومهم أحد ... أذكر زميلًا لي في الدراسة، زاملني حتى تخرجنا في الكلية وأخذنا في دراستنا العليا، وكان هذا الزميل لا يكاد يمر يوم دون أن أراه أو يتصل بي، ولكن ما أن سمع بأني قد اعتقلت حتى أنهى كل علاقته الحميمة بي.
واليوم وقد مر على اعتقالي أربعة عشر عامًا، أنتقل فيها بين عديد من البلدان وينتقل هو أيضًا، وترقى في السلك الوظيفي حتى وصل إلى درجة أستاذ في إحدى الجامعات، وطوال هذه السنوات سواء أثناء اعتقالي أو بعده أو أثناء إقامتي في مصر أو بعد خروجي منها لم يرسل إلي بكلمة واحدة، وبالطبع فلم أحاول أن أثقل عليه بأي اتصال.