وكثير مما ابتدعه الناس من العقائد والأعمال من بدع أهل الكلام وأهل التصوف وأهل الرأي وأهل الملك، حسبوه منفعة أو مصلحة نافعًا وحقًا وصوابًا ولم يكن كذلك، بل كثير من الخارجين عن الإسلام من اليهود والنصارى والمشركين والصابئين والمجوس يحسب كثير منهم أن ما هم عليه من الاعتقادات والمعاملات والعبادات مصلحة لهم في الدين والدنيا، ومنفعة لهم. فقد (ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا) وقد زين لهم سوء عملهم فرأوه حسنًا.
فإذا كان الإنسان يرى حسنًا ما هو سيء، كان استحسانه واستصلاحه قد يكون من هذا الباب) أ. هـ (345/11) .
قلت: (ولذا قرر أهل المذاهب أن المصلحة المرسلة ليست حجة في دين الله كما أوضحه القرافي في التنقيح) (1) . وإنما يعملون بالمصلحة عند ورود شاهد من الشرع باعتبارها.
وذكر الشوكاني أن الجمهور منع من التمسك بها مطلقًا (2) .
هذا واعلم أن العلماء يقسمون المصالح عمومًا إلى ثلاثة أقسام:
ضرورية، وحاجية، وتحسينية.
*أما الحاجيات والتحسينيات فباب واسع عند العلماء ولذلك قال ابن قدامة المقدسي: (لا نعلم خلافًا في أنه لا يجوز التمسك بهما من غير أصل فإنه لو جاز ذلك لكان وصفًا للشرع بالرأي ولما احتجنا إلى بعثة الرسل ولكان العامي يساوي العالم في ذلك، فإن كل أحد يعرف مصلحة نفسه) . أ هـ (3) .
* وأما الضروريات فهي ما يسميها العلماء بمصلحة درء المفاسد عنها… وهي ستة:
الدين - والنفس -والنسب - والعرض (4) - والعقل - والمال .
(1) انظر مذكرة الأصول للشنقيطي ص (170) .
(2) إرشاد الفحول، ص (242) .
(3) 10) روضة الناظر وجنه المناظر ص (149) .
(4) 11) وبعض العلماء يجعل النسب والعرض، شيئًا واحدًا فيكون المجموع خمسة، وقد بينا في كتابنا (كشف النقاب عن شريعة الغاب) كيف أن الشريعة جاءت للحفاظ على هذه الضروريات، وأن القوانين الوضعية التي شرعها الطواغيت تعمل على هدمها ليل نهار.