الصفحة 15 من 53

ولم يترك الشرع وسيلة حفظ هذه الضروريات تبعًا لما يهوى الخلق وما يشتهون بل حد حدودًا. فقضى بقتل المرتد حفاظًا على الدين، وبالقصاص حفاظًا على الأنفس وبحد الزنا وبالعدة على المتوفى عنها زوجها والمطلقة ونحو ذلك حفظًا للنسل والنسب كما شرع حد القذف حفظًا للأعراض وحد الخمر حفاظًا على العقول ،وحرم الربا وبعض أنواع البيوع، وشرع حد السرقة حفظًا للمال، ، ولذلك فأدلة الشرع متضافرة على اعتبار هذه المصالح والمحافظة عليها.

ومادام الشرع قد قضى بوسائل محددة للحفاظ على هذه المصالح فلا يحل ابتداع وسائل لم ينص عليها الشرع أو ليس لها أصل فيه، والتشريع بمحض الهوى بحجة الحفاظ على هذه المصالح باطل. وليس بحجة [لأنه ما عرف من الشارع المحافظة على الدماء -مثلًا- بكل طريقة ولذلك لم يشرع المثلة وإن كانت أبلغ في الردع والزجر، ولم يشرع القتل في السرقة وشرب الخمر، فمن أثبت حكما لمصلحة من هذه المصالح ولم يعلم أن الشرع حافظ على تلك المصالح بإثبات ذلك الحكم المبتدع، كان ذلك وصفًا للشرع بالرأي، وحكما بالعقل المجرد] أهـ (1) .

وهكذا فخلاصة هذا الباب أن الله تعالى لم يتركنا سدًا ولا خلقنا عبثًا بل قد حدد لنا المصالح والمقاصد الشرعية وليس هذا وحسب، بل قد حدد سبحانه أيضا السبل والوسائل المشروعة الموصلة إليها فسد وابطل كل وسيلة وطريقة قد يظنها الظان موصلة إلى المصلحة أو المقصد ولم يترك لنا إلا وسيلة وسبيلًا وطريقًا واحدًا هو طريق خاتم النبيين، فالوسيلة لها حكم المقصد من حيث أنها يجب أن تكون مشروعة ونظيفة وطاهرة كالمقصد.

ولذا يقول الفقهاء .. (الوسائل تعطي أحكام المقاصد) .

وقالوه منظومًا:

(1) 12) انظر روضة الناظر وجنة المناظر لابن قدامة ص (150) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت