وعلى كل حال فالانحراف الناتج عن الانزلاق في باب الاستصلاحات والاستحسانات دون ضوابط من الشرع أو أصول، لا يقف عند حد، لذلك فقد زعم الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق في ذلك الموضع وبعد تلك المقدمة مباشرة ص 129 أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك تطبيق بعض حدود الله وترك قتل المنافقين الذين أعلنوا الكفر أو وقعوا ببعض المخالفات التي تستحق حدا، كعبد الله بن أبي والمستهزئين بالقراء الذين نزل فيهم قوله تعالى: (لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) اتباعا للمصلحة وتقديمًا لها على الحدود الثابتة بحق أصحابها.
قال: [وهذا ترك لإعمال نص، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (من بدّل دينه فاقتلوه) أخذًا بتلك المصلحة الشرعية، أو بالأحرى خوف مفسدة شرعية وهي تكلم الناس أن محمدا يقتل أصحابه وفي هذا تنفير عن الدين] .
[وكذلك ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم تنفيذ حد القذف الثابت في القرآن على عبد الله بن أبي ابن سلول رأس الإفك. ورأس المنافقين وذلك حذرا من إعلان الردة وتمزيق جماعة المسلمين وانتقاض أحوال المدينة على الرسول] أ هـ.
وهذا في الحقيقة تهور منه وجرأة، حيث أدى به ذلك إلى اتهام النبي صلى الله عليه وسلم بتعطيل بعض الحدود وترك إعمال بعض النصوص.
ومن ثم فلكل متبع لهواه أن يفرط بما شاء من الحدود أو يترك ما اشتهى تركه من النصوص بحجة مصلحة الدعوة. وهذه في الحقيقة شبهة شهيرة لمرجئة العصر يروجونها أحيانًا لتسويغ استصلاحاتهم واستحساناتهم الشهوانية التي يعارضون بها النصوص فيجوّزون سلوك سبيل المجرمين،
والانحراف عن منهاج النبوة وسبيل المؤمنين، بحجة مصلحة الدعوة المزعومة، أو للترقيع للطواغيت المعطلين لحدود الله تعالى والمشرعين مع الله، أحيانًا أخرى.