وهي على كل حال شبهة قديمة قد تلقفها هؤلاء عن أشياخ لهم قدامى رد عليهم فيها وفي أمثالها علماء الإسلام من الأئمة الراسخين في العلم كالإمام ابن حزم وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله تعالى.
فقد عقد ابن حزم في محلاه (11/201) تحت رقم (2199) مسألة يرد فيها على كل من زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف واطلع على أن المنافقين قد ارتدوا وكفروا علنًا بعد إظهارهم للإسلام، ومع هذا لم يقتلهم ولا أنفذ فيهم حد الردة. أو نحوه من الحدود التي استحقوها.
فبعد أن بيّن أن المنافقين الذين يُحتج ببعض مخالفاتهم في هذه الشبهة على قسمين:
قسم لم يعرفهم عليه السلام قط.
وقسم آخر افتضحوا فعرفهم فلاذوا بالتوبة.
أخذ بعد ذلك يورد ما احتج به المخالفون في هذا الباب آية آية وحديثًا حديثا، ورد على استدلالاتهم جميعها ردًا علميًا نفيسًا جديرًا بالقراءة والتدبّر لقمع هذه الشبهات التي تلقفها مرجئة عصرنا عن أشياخهم الأوائل وروجوها. (أتواصو به بل هم قوم طاغون) .
ومن ذلك أنه بيّن ص (207) أن المنافقين الذين استهزؤوا بالقراء في غزوة تبوك قد كفروا بعد إيمانهم فعلًا. ولكن عدم إقامة الرسول صلى الله عليه وسلم للحد عليهم لم يكن -كما زعم هؤلاء- تعطيلًا للحد أو تركًا لإنفاذه بحجة المصلحة المزعومة، بل لأنهم لاذوا بالتوبة جميعًا واظهروا الندامة واعترفوا بذنبهم -كما روى ذلك أهل الحديث في سبب النزول- وكما ذكر الله تعالى، فمنهم من قبل الله توبته، لعلمه سبحانه بصدق باطنه، ومنهم من لم يعف عنهم لعلمه بكذبهم في الباطن. لكن في الظاهر قد أظهر جميعهم التوبة بنص الآية: (إن نعف عن طائفة نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين) . فعصم هذا الظاهر دماءهم في الدنيا.