الفقه والفكر لا يكونان إسلاميين إلا إذا كانا منطلقين من الإسلام ملتزمين به معبرين عنه لا عن غيره، وجميل منصور بكلامه هذا يخلط بين الدين والفلسفة ...
وهما على طرفي نقيض في الطبيعة والهدف.
فالدين له معالم وحدود ومعايير وضوابط يتضح من خلالها الخطأ من الصواب، والحق من الباطل وهو ثابت على أصول مستقرة، متغير في نواحي جزئية، هدفه وغايته تحقيق رضى الله تعالى.
والفلسفة لاحدود لها ولا معايير ولا ضوابط ولا ممنوع فيها ولا محذور ولا تملك ميزانا للتفريق بين الحق والباطل وهي مجهولة المنطلقات مجهولة الغايات،
وهذه المرونة التي نسب جميل منصور إلى الإسلام لا تكون إسلامية إلا إذا كانت متقيدة بأصول الإسلام وثوابته ومسلماته، وعندما لا تكون كذلك تكون مرونة فكرية فلسفية متصفة بصفات الفلسفة ولا علاقة لها بالإسلام. وهي بالنسبة للمفكرين والفلاسفة فكر ورأي ... وبالنسبة للإسلام شذوذ وتسيب وزندقة.
قال الغزالي في الرأي المذموم:
"فيحمل ما أنكروه على الرأي المخالف للنص، أو الرأي الصادر عن الجهل الذي يصدر ممن ليس أهلا للاجتهاد، أو وضع الرأي في غير محله، أو الرأي الفاسد الذي لا يشهد له أصل، ويرجع إلى محض الاستحسان ووضع الشرع ابتداء من غير نسج على منوال سابق" [المستصفي في علم الاصول ج2 ص 260] .
ولكي نفهم حقيقة هذه المرونة التي يدندنون حولها من المهم أن نقرأ ما كتبه المرحوم محمد محمد حسين في كتابه: (الإسلام والحضارة الغربية) حيث قال رحمه الله في الفصل الثاني الذي عنون له بالتغريب:
(أما الأمر الآخر الذي أحب أن ألفتَ النظر إلى خُطُورته، فهو تطوير الإسلام؛ لكي يوافق الأمر الواقع في حياتنا العصرية. وقد بدأ هذا الاتجاه؛ كما رأينا في أول الأمر بإحساس الحاجة إلى مواجهة الأقضية الجديدة باستنباط أحكام شرعية تُوافِقُها، ورأَيْنا صدى ذلك فيما كتبه الطهطاوي، وخير الدين التونسي. فكتب الطهطاوي في"مناهج الألباب"عن(اقتضاء الأحكام والمُعامَلات العصرية تنقيحَ الأقضية والأحكام الشرعية بما يوافق مزاج العصر بدون شذوذ) ، مقترحًا وضع مدوَّنة قانونية عصرية شاملة. ودعا خير الدين إلى