كما ذكرنا هناك فرق بين سعة الفقه وميوعة الفقه، أما سعته فمعناها أن فيه القابلية لاستيعاب كل جزئيات الحياة المتجددة وإعطاء حكم فيها يتفق مع الشريعة الإسلامية، بما لا يتعارض مع المسلمات القطعية والأصول الثابتة، والفقه الإسلامي مشتمل على هذه الصفة قطعا.
وأما ميوعة الفقه فمعناها أن لا يكون له شكل ثابت ولا أصل مستقر وأن يجعل الحكم اليوم أمرا قطعيا ثم ينفيه غدا نفيا كليا في منهجية يختلط فيها الظني بالقطعي والمشكوك فيه بالمجزوم به، والفقه الاسلامي بريء من هذه الصفة قطعا،
قال ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله:
(حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن خالد بن سعد قال: دخل أبو مسعود على حذيفة فقال: اعهد إلي، قال: أولم يأتك اليقين؟ قال: بلى، قال: فإن الضلالة حق الضلالة أن تعرف ما كنت تنكر، وتنكر ما كنت تعرف، وإياك والتلون في دين الله؛ فإن دين الله واحد) .
والاجتهادات التي ذكر جميل منصور تسير على منهج الميوعة هذه، وهي ليست دليلا على سعة الفقه الإسلامي بل هي دليل على سعة الجرأة على الإسلام وتنوع الحرب الموجهة ضده حيث شملت الحرب على المسلمات والثوابت والقطعيات وهذه"لاجتهادات"لا تستحق أن تدون في دواوين الفقه الإسلامي وإنما في شطحات الزندقة وما هي إلا"ضرطة عير في فلاة"وستبقي شريعة الإسلام الناصعة ونصوصه المحكمة صخرة شماء تتحطم عليها كل شطحات الزنادقة {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} .
ولا يشفع لهذه الشطحات الفكرية أن أصحابها ينتسبون إلى الإسلام ويريدون بها خدمة الاسلام.
فلا ينبغي أن ننسى أن المعتزلة والقدرية والخوارج لهم فكر ينتسب للإسلام أرادوا من خلاله خدمة الدين ولم يمنعه ذلك من أن يكون باطلا وضلالا.