فلا زال الحديث في ذكر المسائل الثلاث التي جعلها الإمام رحمه الله تعالى مقدمة ثانية لهذه الرسالة المباركة (( الأصول الثلاثة ) )، وهو (أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ، تَعَلُّمُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْثَّلَاثِ) ، يعني اعتقاد معانيهن والعمل بهن. فثَمَّ أمران: العلم، والعمل. لا بد منهما، الأولى وهذا كما ذكرنا لم يحصل نزاع بين الرسل وأقوامهم في مدلولها وهو ما تضمنه توحيد الربوبية، (أَنَّ اَلْلََّهَ خَلَقَنَا، وَرَزَقَنَا، وَلَمْ يَتْرُكْنَا هَمَلًا، بَلْ أَرْسَلَ إِلَيْنَا رَسُولًا، فَمَنْ أَطَاعَهُ دَخَلَ الُجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَاهُ دَخَلَ الُنَّارَ، وَالَْدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الْرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا} [المزمل: 15، 16] ) . هذه المسألة الأولى تضمنت توحيد الربوبية، وذكرنا أنه لم يقع نزاع بين الرسل وأقوامهم في هذا، بل هذا لا خلاف فيه بين السلف أن المشركين الذين أرسل فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا مقرين بتوحيد الربوبية، ولذلك جاء قوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لقمان: 25] ، [الزمر: 38] فدل على أنهم يُثبتون صفة الخلق وهي آكد صفة أو أفعال الرب جل وعلا، كذلك جاء قوله تعالى {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ} [يوسف: 106] ، وما يؤمن أكثرهم، أكثرهم مشركين لله يعني إيمان متضمن لإثبات صفاته جل وعلا وأنه الخالق الرازق المدبر إلى [ما] آخره، وهذا كما ذكرنا أنه لا نزاع فيه.
ثم ذكر المسألة (الْثَّانِيَةُ) وهي متعلقة بتوحيد الإلوهية، توحيد الربوبية يستلزم توحيد الإلوهية ولذلك جعله مقدمة له، وتوحيد الإلوهية يتضمن توحيد الربوبية، لأنه لا معبود إلا من انفرد بصفة الخلق والملك والتدبير، ونحو ذلك.
إذًا المسألة الثانية أشار إليها بقوله: (أَنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُ أَحَدٌ فِي عِبَادَتِهِ) . وهذا فيه إيجاب إفراد الله جل وعلا بالعبادة على المكلفين من ذكر وأنثى، لأنه هو الخالق الرازق المدبر، فحينئذٍ هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له فلا يرضى حينئذٍ أن يشرك معه أحد لا نبي مرسل، ولا ملك مقرب.
قوله: (أَنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى) المسألة الثانية (أَنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى) أنَّ هذه حرف توكيد ونصب، ومعلوم أن التأكيد إنما يكون إذا كان الخطاب لمتردد أو شاك. ولا شك أن زمن المصنف حين تصنيف هذه الرسالة في غالب الناس إما شاكّ وإما متردد، وقل أن يكون مسلِّمًا بالتوحيد، حينئذٍ نقول: التأكيد هنا على أصله:
فَإِنْ تُخَاطِبْ خَالِيَ الذِّهْنِ مِنِ ... حُكْمٍ وَمِنْ تَرَدُّدٍ فَلْتَغْتَنِي
عَنِ المُؤَكِّدَاتِ ...