هذا الأصل أن خالي الذهن لا يُؤَكَّدُ له، لكن إن كان مُتَرَدِّدًا، أو كان شاكًّا فحينئذٍ يستحسن، أو يجب على الخلاف والتفصيل الذي ذكرناه في (( الجوهر ) )هناك، إما أنه يجب أن يُؤَكّدَ له في الخطاب، وإما أنه يُستحسن أن يُؤَكَّدَ له، هنا أُوكِّدَ لِمَا ذكرناه أن المصنف رحمه الله تعالى راعى مجتمعه آنذاك، وهو أن الشرك قد عمَّ وطمَّ، والخرافات وكل ما يكون وسيلة إلى الشرك، فحينئذٍ التوكيد على بابه.
(أَنَّ اللَّهَ) الخالق المعبود جل وعلا (لا يَرْضَى أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُ أَحَدٌ) لا يرضى، وقد يرضى الرب جل وعلا يوصف بصفة الرضا، وقد تُنْفَى عنه صفة الرضا، إذًا هي متعلقة بمشيئته جل وعلا، وهذا ما يُسمَّى بالصفات الفعلية، وكل صفة متعلقة بمشيئة الرب جل وعلا، فهي صفة فعلية، هذا ضابطها عند أهل السنة والجماعة، فالرَّضا صفة قائمة بالرب جل وعلا بذاته سبحانه وتعالى ولها لازم، يعني لها لازم فإن وجدت هذه الصفة هي لا تفسر بالمحبة على جهة المطابقة، وإنما الرضا صفة، والمحبة صفة، الرضا صفة لازمها المحبة، ولا شك أن فرقًا بين اللازم والملزوم، فحينئذٍ نقول: الرضا صفة قائمة بذات الرب جل وعلا، لازمها المحبة والإنعام والعطاء، وليس الرضا هو العطاء، وليس الرضا هو الإنعام، وليس الرضا هو المحبة، بل تلك تعتبر من لوازم هذه الصفة.
إذًا (أَنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى) . نقول: هذا فيه إثبات صفة الرضا، لذلك جاء قوله تعالى: {وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر: 7] . إذًا أثبت ونفى، وهذا يدل على أن هذه الصفة متعلقة بالمشيئة، وإذا كان الأمر كذلك حينئذٍ صارت من الصفات الفعلية.
لا يرضى بل يسخط، إذا انتفى الرضا حينئذٍ ثبت ضده وهو السُّخْطُ، لأن متعلق نفى الرضا هنا هو الشرك، وهو أكبر الكبائر وأعظم الذنوب وأجهل الجهل وأظلم الظلم. فحينئذٍ إذا لم يرض عن الشرك أو أن يُشْرَكَ معه نقول: ثبت ضده وهو السُّخط، فحينئذٍ نقول: لا يرضى بل يسخط، ولا يريده جل وعلا شرعًا، لأن ما أراده شرعًا أمر به ورَغَّبَ فيه، في كتابه، أو على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولذلك لما لم يكن قد أراده شرعًا قال: {وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر: 7] . فنفى الرضا، فحينئذٍ من لازم نفي الرضا عدم إرادته شرعًا، وأما وقوعه فحينئذٍ نقول: هذا موافق للإرادة الكونية التي تفسر عند أهل العلم بالمشيئة.
فحينئذٍ نقول: الكفر والشرك ليس مرادًا شرعًا، بل يسخطه الرب جل وعلا ولم يأمر به، ورتب على فعله العقوبات في الدنيا وفى الآخرة، ونفى الرضا عنه، قال: {وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر: 7] وقال: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ} [المائدة: 72] وهذا تهديد ووعيد لمن وقع في هذا الإثم والذنب العظيم، وأما كونًا فأراده سبحانه وتعالى فوقع لحكمة أرادها. إذًا لا تنافى بين تحريم الشرك وكون الرب جل وعلا ليس راضيًا عنه وبين وقوعه في الدنيا.
نقول:
الأول: منفيٌّ بالإرادة الشرعية.
والثاني: قد وقع لأنه مراد كونًا لحكمة أرادها جل وعلا.