فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 321

(أَنَّ مَنْ أَطَاعَ الرَّسُولَ) فيما أمر واجتنب ما عنه نهى وزجر، (وَوَحَّدَ اللَّهَ) هذا جاء بالشق الأول من الشهادتين، ومقتضى شهادة أن لا إله إلا الله هو توحيد الله جل وعلا بالعبادة، ولذلك قال: (وَوَحَّدَ اللَّهَ) . وإن كان مراد المصنف هنا كعادته أنه يقصد بالتوحيد توحيد الألوهية، لأنه هو الذي وقعت فيه الخصومة بين الرسل وأقوامهم، وأما ما عداه فهو داخل. ولذلك لو عُمِّمَ اللفظ هنا (وَوَحَّدَ اللَّهَ) في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته فلا إشكال، بل هو الأصل أن من وحد الله فحينئذٍ لا بد وأن يكون قد وحده في ربوبيته ووحده في ألوهيته ووحده في أسمائه وصفاته، وهذه أنواع التوحيد الثلاثة وكلها متلازمة، لا يمكن ولا يتصور أن يوجد التوحيد الذي أمر الله به إلا باجتماعها الثلاثة على وجهها الشرعي بمعني على مفهومها الشرعي وليس على مفهوم أهواء الناس وعقول الناس، لأن هذه حقائق شرعية، فتُفسر حينئذٍ من الشرع لأن مفهوم التوحيد قد وقع فيه نزاع كبير في أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، والعهدة والمرجع يكون على فهم السلف رضي الله تعالى عنهم.

إذًا (وَوَحَّدَ اللَّهَ) إن خصصناه بتوحيد الألوهية وهو ظاهر كلام المصنف حينئذٍ (وَوَحَّدَ اللَّهَ) أي أفرده بالعبادة، لأنه هو الذي وقع فيه الخصومة بين الرسل وأممهم، ولذلك سيأتي (وَأَعْظَمُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ التَّوْحِيدُ، وَهُوَ: إِفْرَادُ اللَّهِ بِالْعِبَادَةِ) مع كون الرب جل وعلا أمر بأنواع التوحيد الثلاثة، والرسل إنما جاءت بأنواع التوحيد الثلاثة، وإذا قيل بأن الخصومة بين الرسل وأقوامهم في توحيد الألوهية، لا يلزم منه أنهم لم يبلغوا أقوامهم توحيد الربوبية وما يتعلق به، ولا توحيد الأسماء والصفات وما يتعلق به، لا، ليس هذا المراد، المراد أن من بُعِثَ فيهم الرسل أقروا بتوحيد الربوبية فحصل الاتفاق بين الطرفين فجاء من قبيل التكميل والإتمام، وكذلك توحيد الأسماء والصفات وقع فيه الاتفاق بين الطرفين، بين الرسل وأقوامهم وما حصل فيه نوع من خلل، فهذا جاء به الرسل بتكميله وتتميمه، وأما توحيد الألوهية إفراد الله بالعبادة، هنا محل النزاع، وهنا وقعت الخصومة كما حكى الله تعالى عنهم: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} [ص: 5] . حينئذٍ لم يؤمنوا ولم يصدقوا الرسل في هذا التوحيد، ولذلك عُلِّقَ الحكم به الذي أُنْزِلَت به الكتب وأرسل به الرسل توحيد الألوهية، ليس هو فحسب بل التوحيد بأنواعه الثلاثة، تنبهوا لهذا.

(وَوَحَّدَ اللَّهَ) أي أفرده بالعبادة، إذًا أطاع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ووحد الله فحينئذٍ من مقتضيات هذه الطاعة ولوازم هذه الطاعة أن يحب التوحيد ويحب أهل التوحيد، ويُبغض الشرك ويُبغض أهل الشرك، ولذلك رتب على هذه المقدمة الحكم الشرعي الذي ذكره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت