فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 321

النوع الثاني: الموالاة الصغرى، صغرى باعتبار الأولى، وإلا فهي في نفسها أكبر الكبائر، ليست هي صغيرة، وإنما باعتبار ماذا؟ المخرج من الملة، وهو كل ما يؤدي إلى مصادقتهم وتوقيرهم واحترامهم وتعظيمهم، وله صور تختلف من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان، كل ما يتعامل به مع الكفار ويكون فيه تمجيد وتعظيم وفيه توقير لهم، فحينئذٍ نقول: هذا داخل في الموالاة الصغرى، وهو محرم لأنه يُعتبر معصية، ولذلك أنكر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على أبي موسى الأشعري لما جعل له كاتبًا نصرانيًّا لأنه وثق فيه، وإذا وَثِقَ فيه فقد اتخذه وليًّا، وتلا عمر على أبى موسى قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} [المائدة: 51] . فكل من قرَّبَ المشركين، أو وثق فيهم، أو عاملهم معاملة إجلال وتعظيم، حينئذٍ نقول: قد اتخذهم أولياء من دون المؤمنين.

إذًا نقول: الموالاة تنقسم إلى قسمين موالاة مكفرة مخرجة من الدين، وهو ما يسمى بكفر التولي، وهو ما يكون ضابطه أنه يُحب الشرك وأهل الشرك لأجل دينهم. وما عدا ذلك فالأصل أنه من الموالاة الصغرى، وهذه تعتبر محرمة.

استدلوا على أنه ليس كل موالاة تعتبر مخرجة من الملة بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} [الممتحنة: 1] . هذه صدر سورة الممتحنة. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: كان سبب نزول صدر هذه السورة الكريمة قصة حاطب بن بلتعة، وذلك أن حاطبًا هذا كان رجلًا من المهاجرين وكان من أهل بدر أيضًا، وكان له بمكة أولاد ومال ولم يكن من قريش أنفسهم بل كان حليفًا لعثمان، فلما عزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على فتح مكة لما نقض أهلها العهد، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المسلمين بالتجهيز لغزوهم، وقال - صلى الله عليه وسلم: «اللهم عمِّ عليهم خبرنا» . فعمد حاطب فكتب كتابًا وبعثه مع امرأة من قريش إلى أهل مكة يُعلمهم بما عزم عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوهم ليتخذ بذلك عندهم يدًا، إذًا ليست محبة لهم ولا لدينهم وإنما ليتخذ عندهم يدًا، فأطلع الله على ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استجابة لدعائه فبعث في أَثَرِ المرأة فأخذ الكتاب منها.

فالنبي - صلى الله عليه وسلم - كما جاء في بعض الروايات- سأل حاطبًا ما حملك على ما صنعتَ؟ سأل عن القصد كما قيل. قال حاطب: والله ما بي إلا أن أكون مؤمنًا بالله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، أردت أن تكون لي عند القوم يدٌ يدفع الله بها عن أهلي ومالي. فقال - صلى الله عليه وسلم: «صدق، لا تقولوا له إلا خيرًا» .

وهنا ناداه الله عز وجل هو وغيره باسم الإيمان، فأثبت الإيمان مع أنه قال: ( {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} ) . وهنا قال: {تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} [الممتحنة: 1] . وناداهم باسم الإيمان. هل هناك إشكال؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت