أما لغة فلا، وسبق معنا أن الحقائق الشرعية لا بد أنها تؤخذ من الكتاب والسنة، فحينئذٍ سبق عند تقرير التقسيم الثلاثي للتوحيد: أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الإلوهية، وتوحيد الإلوهية متضمن لتوحيد الربوبية، لأنَّ مَن عبد الله، واعتقد أن الله جل وعلا هو المستحق للعبادة، هذا لا بد وأنه قد سبقه إقرار بأن الخالق هو الله جل وعلا، ولذلك قال بعض أهل العلم: الربوبية إذا أُفْرِدَت يدخل فيها الإلوهية، إذا قيل توحيد الربوبية، وليس في مقام التقسيم، فإنما في مقام الحديث عن توحيد الربوبية بالمعنى العام في الشرع، حينئذٍ يدخل فيه توحيد الإلوهية، لأن الربوبية تستلزم الإلوهية، والإلوهية تتضمن الربوبية، لأن الموحد لله في ألوهيته، هو ضمنًا مقر بأن الله واحد في ربوبيته هذا لا بد منه. ومن أيقن ذلك استلزم أن يكون مقرًّا بأن الله واحد في استحقاق العبادة، من أقر على وجه التمام بمفردات توحيد الربوبية، فقد أتى بتوحيد الإلوهية لأنه يستلزمه. لا يمكن أن يؤمن إيمانًا كاملًا بتوحيد الربوبية، ثم يتخلف عنه توحيد الإلوهية. ولذلك نص شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله قال: توحيد الربوبية هو الأصل - هكذا في (( الدرر السنية ) )، توحيد الربوبية هو الأصل ولا يغلط في الإلوهية إلا من لم يعطه حقه. يعني قد انقص حق الربوبية. لذلك وقع في الشرك كما قال تعالى فيمن أقر بمسألة منه: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [الزخرف: 87] .
إذًا توحيد الربوبية يستلزم توحيد الإلوهية، فمن وقع في غلط في توحيد الإلوهية أشرك بالله. حينئذٍ نقول: هذا نرجع إلى توحيد الربوبية، إذ لم يعطه حقه، قد حصل تقصير، وقد حصل نوع قصور.
إذًا الربوبية تطلق ويراد منها العبودية، كما في بعض المواضع، تارة بالاستلزام، وتارة بالقصد.
وقال بعض العلماء: يمكن أن يكون الربوبية، والإلوهية، من الألفاظ التي يقال فيها إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا كالإيمان، والإسلام، إذا أطلق الإيمان وحده هكذا في سياق دخل فيه الإسلام، وإذا قيل: الإسلام دخل فيه الإيمان. وهذا نص عليه شيخ الإسلام رحمه كما في (( الدرر السنية ) )المجلد الثاني ص 65:
قال: أما الفرق بينهما - يعني بين التوحيدين - توحيد الربوبية لأن السؤال كان عنه، وأما الفرق بينهما يعني بين توحيد الربوبية والإلوهية فإن إفراد أحدهما - هكذا قال - مثل قوله: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} فهو توحيد الإلوهية دخل فيه. وكذلك إذا أُفرِدَ توحيد الإلوهية دخل فيه توحيد الربوبية، مثل قوله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19] . لا بد وأنه قد اشتمل على توحيد الربوبية وأمثال ذلك، قال: فإن قرن بينهما فسرت كل لفظه بأشهر معانيها كالفقير، والمسكين.