فقل: (مَعْرِفَةُ الْعَبْدِ رَبَّهُ) . فقل أنت جازمًا لذلك نقدر جازمًا لأنه لا بد من الجزم، وإلا لو انتفى الجزم انتفى الإسلام.
(وَدِينِهُ) . هذا هو الأصل الثاني، أي ومعرفة العبد دينه معطوف على ربه والمعطوف على المنصوب منصوب. معرفة العبد ربه هذا هو الأصل الأول.
الأصل الثاني: هو معرفة العبد دينه الذي تَعَبَّدَنَا به. وسبق أن الدين يأتي بمعنى العبادة وبمعنى الطاعة، وهو فعل ما أوجب علينا أن نفعله، وترك ما أوجب علينا أن نتركه، هذا أصل عظيم. فيجب علينا معرفته.
(وَدِينِهُ، وَنَبِيَّهُ مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم -) . أي والأصل الثالث معرفة العبد نبيه. ثم قال: (مُحَمَّدًا) هذا عطف بيان، (نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا - صلى الله عليه وسلم -) فإنه الواسطة بيننا وبين الله عز وجل، لا شك أن الرسل وسائط بين الرب جل وعلا وبين خلقه، لماذا؟ لأن الرب خلق الإنس والجن من أجل أن يعبدوه، وهو غيب. فحينئذ استلزم أن يُرْسِلَ من يبلغ الناس شرعه، فلا بد من إيصال الشرع حتى يَتَعَبَّدوا لله جل وعلا. وهذا لا يمكن أن يأخذوه كلٌّه مباشرة، وإنما لا بد من إرسال الرسل. ولذلك دلّ العقل والشرع على إرسال الرسل، فأهمية معرفته - صلى الله عليه وسلم - من أهمية معرفة مُرْسِلِهِ وما أُرْسِلَ به، لماذا جعلناه أصلًا ثالثًا؟
لأنه سيسأل عنه في قبره.
لماذا اهتممنا به؟
لما ذُكر، ولأن أهمية النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعرفة حياته عليه الصلاة والسلام هذا دليل على أهمية مرسله، وأهمية ما أُرْسِلَ به، لأنه أرسل من جهة الرب جل وعلا، وأرسل بشرعة الذي خُلق الإنس والجن من أجل أن يتقربوا لله جل وعلا به.
إذًا ذكر المصنف رحمه الله هذه الأصول الثلاثة وهي التي أشار إليها بقوله: المسألة (الْأُولَى: الْعِلْمُ) ، وهناك قلنا: المراد به العلم الواجب. ذكرها هنا مجملة. ثم سيذكرها مفصلة أصلًا أصلًا، ويذكر نُبْذَه تحت كل أصل تتميمًا للفائدة، وتنشيطًا للقارئ فإنه إذا عرفها مجملة، وعرف ألفاظها، وضبطها، وحفظها حينئذٍ سَهُلَ عليه أن يتعلم تلك التفاصيل، بل تتشوق نفسه وتتطلع إلى معرفه معانيها. فلذلك هذا يعتبر عند أهل البيان من أساليب التشويق، أن يُشَوِّق الناس إلى كلامه بأن يذكر شيئًا مجملًا ثم يذكره مفصلًا، وهذه الأصول الثلاثة هي المقصودة بهذه الرسالة كما ذكرناه آنفًا.
(فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَنْ رَبُّكَ) ؟ هذا شرح، وبيان، وتفصيل للأصل الأول. (فَإِذَا) هذه الفاء تسمى فاء الفصيحة فإذا أردت معرفة حقيقة تلك الأصول فأقول لك، إذا قيل لك: من ربك. تسمى فاء الفصيحة من الإفصاح والبيان، الإفصاح بمعني البيان، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر. إذًا هذا شرح وتبيان للأصل الأول.
(فَإِذَا قِيلَ) أيضًا أبهم السائل، وبنى الفعل لِمَا لم يسمَّ فاعله لما ذكرناه سابقًا لأن المقصود هو الجواب، ولا يختلف الجواب باختلاف السائل.