إذًا (مَنْ رَبُّكَ) ، (رَبِّيَ اللَّهُ) . يعني الذي خلقني، فأوجدني من العدم، ورزقني النعم الظاهرة والباطنة. فقط. هذا معنى ربي الله. الرّب فسره بتوحيد الربوبية الذي يقابل توحيد الإلوهية، فجعل المعنى اللغوي مقدمًا هنا على المعنى الشرعي. وهذا لا بأس به أيضًا، لكن الأول أولى.
(فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَنْ رَبُّكَ) ؟ أي: من خالقك، ورازقك، ومعبودك؟
(فَقُلْ) جازمًا ربي الله، ربي أي خالقي ومالكي على القول الثاني الله، وعلى القول الأول ربي معبودي الله، الذي رباني.
(فَقُلْ: رَبِّيَ اللَّهُ) يعني: ربي هو الله، خالقي ومالكي، فسره بالمعنى اللغوي، لأن أصل الرب في اللغة بمعنى المربي. وهذا قال بعضهم: مراد المصنف هنا، لماذا؟ لأنه أراد أن يقرر توحيد الربوبية، ثم يبني عليه ماذا؟ توحيد الإلوهية، لأن من قاعدة وأسلوب القرآن في الاستدلال على توحيد العبادة بماذا؟
قاعدة القرآن وأسلوب القرآن في تقرير التوحيد العبادة هو الاستدلال بتوحيد الربوبية على إثبات توحيد الإلوهية. ولذلك سيأتي معنا {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ... إلى أن قال: {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} [البقرة: 21، 22] . وجعل الند هو عين الشرك الأكبر، كأنه قال: فلا تشركوا بالله. إذًا الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الإلوهية هذا من أسلوب القرآن.
هل المصنف أراد هذا: أن يجرد المعني لتوحيد الربوبية فيستدل بها على توحيد الإلوهية، لا بأس أن يكون هذا هو المراد وأكثر الشراح على هذا. أن مراده أن يقرر توحيد الربوبية في تقريره للأصل الأول وهو معرفة الله تعالى بدليل ما بعده. وهو قوله: (الَّذِي رَبَّانِي) .
(فَقُلْ: رَبِّيَ اللَّهُ الَّذِي رَبَّانِي وَرَبَّى جَمِيعَ العَالَمِينَ بِنِعَمِهِ) ، (الَّذِي) إيش إعراب هذا؟ صفه لربي، ربي هو الله الذي يحتمل أنه صفة للمبتدأ أو للخبر ربي هو الله، يعني خالقي ومالكي، (الَّذِي) هذا دل على أن المصنف يريد من معاني الرب المربي هكذا قيل. (رَبَّانِي) أي خلقني وأوجدني، ثم رباني بنعمه الظاهرة والباطنة هذا تقرير لتوحيد الربوبية. (وَرَبّ جَمِيعَ العَالَمِينَ بِنِعَمِهِ) إذًا هذا تعميم بعد تخصيص يعني ليس خاصًا بالإيجاد من العدم، ثم التربية بالتغذية ونحو ذلك، ليس خاصًا به بل هو عام لجميع العالمين، ولذلك قال: (الَّذِي رَبَّانِي وَرَبَّى جَمِيعَ العَالَمِينَ بِنِعَمِهِ) . (جَمِيعَ) نقول: هذا تعميم بعد تخصيص.
(وَرَبَّى جَمِيعَ العَالَمِينَ) أي أوجدهم من العدم، وغذاهم بالنعم. (رب العالمين) وهذه ربوبية عامة لكل مخلوق، كما سيأتي في قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] .