(بِنِعَمِهِ) الباء هنا؟ سببية نعم - التربية، والتجريد حصل بسبب نعمه جل وعلا. ونعم الله ظاهرة وباطنة، فالظاهرة يعني تدرك بالحواس. وباطنة لا تدرك بالحواس. وهذه النعم تبدأ مع الإنسان في بطن أمه، نعمة الإيجاد، ونعمة التغذية، ولذلك جاء في الملك الذي يرسل إلى الجنين فيؤمر بكتب أربع كلمات، بكتب (رزقه) هذا ابتداء النعم وهو في بطن أمه، إلى أن ينشأ ويتدرج في مراحل النمو، إلى أن يموت وهو في نعم الله جل وعلا يصبح ويمسي.
(فَقُلْ: رَبِّيَ اللَّهُ الَّذِي رَبَّانِي وَرَبَّى جَمِيعَ العَالَمِينَ بِنِعَمِهِ) جميع العالمين إذًا لا تختص بصنف دون آخر، الله خالق كل شيء، سواء كنت أنا المتكلم أو جميع العالمين، بنعمه وهو معبود.
إذًا قرر أوَّلًا توحيد الربوبية، أليس كذلك؟ (رَبِّيَ اللَّهُ الَّذِي رَبَّانِي وَرَبَّى جَمِيعَ العَالَمِينَ بِنِعَمِهِ) هذا اعتراف بالخلق، والإيجاد، والرَّزق والملك، له ولسائر العالمين. ما الذي يلزم من هذا؟ (وَهُوَ مَعْبُودِي) ، ولذلك لو أتى بالفاء الدالة على السببية لكان أولى، فهو معبودي.
لأن فاء السببية تدل على أن ما بعده - إذا كانت سببية - أن ما بعده مسبب لما قبله، فيكون من عطف المسبَّب على السبب، أو المعلول على العلة، أليس كذلك؟ حينئذٍ نقول: فهو معبودي، أولى من قوله: (وَهُوَ مَعْبُودِي) ، لأن العبادة هذه ثمرة لما سبقه من حق الربوبية وإثباته، فإذا كان الله هو الذي رباني لا غيره، وربى جميع الناس لا غيره، فالثمرة والنتيجة المبنية على هذا الإقرار، وهذا الاعتراف هو أنه جل وعلا المستحق لأن يعبد وحده دون ما سواه، لأن الذي يستحق أن يكون معبودًا هو القادر على الخلق. وهو الذي يستحق أن يعبد، أما الذي لا يقدر ويكون عاجزًا فهذا لا يستحق أن يُعبد {أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [الأعراف: 191] . هذا فيه تنقص لمعبوداتهم، أنهم يعبدون الآلهة التي لا تخلق، ومن لا يخلق لا يستحق أن يعبد، وإنما الذي يستحق أن يعبد هو المنفرد بالخلق جل وعلا، إذًا هو معبودي، يعني وهو وحده جل وعلا معبودي، الذي يستحق أن أتذلل وأخضع له بالطاعات، لأن معبودي هذا مأخوذ من العبادة وعرفنا أن العبادة تقوم على ركنين اثنين لا ثالث لهما، وهما:
-كمال الذل والخضوع.
-وكمال المحبة.
حينئذٍ: (وَهُوَ مَعْبُودِي) . يعني هو الذي أتذلل وأخضع له بالطاعات لامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، (وَهُوَ مَعْبُودِي) عرف الجزأين المبتدأ والخبر، وهذا يدل على الحصر، أي وهو معبودي، لا معبود لي سواه، وهذا مأخوذ من تعريف الجزأين.
أكد هذا المعنى بقوله: (لَيْسَ لِي مَعْبُودٌ سِوَاهُ) . (لَيْسَ لِي) ليس نفي، سواه هذا إثبات. حينئذٍ جمع بين النفي والإثبات، وهما الركنان، النفي والإثبات ركنان في شهادة التوحيد، فالتوحيد لا يتم إلا بإثبات ونفي، لا بد أن يُثبت العبادة لله جل وعلا وأن ينفي تلك العبادة عن غيره جل وعلا، هذا نفي وإثبات، وهذا الذي عناه المصنف هنا.