يعني قد تكون الفطرة هي الدليل، وهذا جاء مساندًا له قوله جل وعلا: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30] . وهذا ما يُسمى بميثاق الفطرة - فطرهم شاهدين بما أخذه عليهم في الميثاق الأول الذي دلّ عليه قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} [الأعراف: 172] إلى آخر الآية. أي: معبودكم، هذا يسمى الميثاق الأول، دلت عليه الآية وهو ميثاق صحيح ثابت على أصح أقوال أهل العلم.
الميثاق الثاني: هو ميثاق الفطرة فطرهم شاهدين بما أخذ عليهم في الميثاق الأول للآية التي ذكرناها في سورة الروم. وجاء في حديث أبى هريرة رضي الله عنه في الصحيح: «كل مولود يولد على الفطرة» . المراد بالفطرة هنا التوحيد.
«كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه» . ولم يقل (يمسلمانه) لأن الفطرة هي الإسلام، فلو تُرك الإنسان على فطرته حينئذ ينشأ على التوحيد، لأن أدلة التوحيد منها الفطرة، ومنها العقل كما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى وجاء في الحديث القدسي قال النبي - صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: «خلقتُ عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللتُ لهم» . هذا رواه مسلم عن عياض بن حمار.
إذًا دلت هذه الأحاديث على أن الخلق مفطورون على التوحيد.
المصنف قال: (بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟) قال: (بِآيَاتِهِ وَمَخْلُوقَاتِهِ) . قلنا: الذي مما يدل على وجود الرب جل وعلا الفطرة، وهذه الفطرة مؤكِّدة للمعنى أو الميثاق الأول.
ثم هل يكفي وجود الفطرة والميثاق الأول في قيام الحجة على الخلق؟
نقول: لا، بل لا بد من إرسال الرسل {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] .
المصنف هنا رحمه الله استدل بدليل عقلي وهو أن كل مخلوق لا بد وأن يكون له من خالق، وهو ما يُسمى بدليل حدوث العالَم، كل مُحْدَثٍ لا بد له من مُحْدِثٍ، كل مفعولٍ لا بد له من فاعل، بأن يستدل بالشمس والقمر وجريانهما ونحو ذلك على أنها مخلوقة، هذا هو دليله، ويستدل بالليل والنهار على أن هذا المخلوق لم يأت صدفة ولم يوجد من عدم بل لا بد من خالق هذا هو مراده رحمه الله.
وهذا هو دليل عقلي أم نقلي؟