فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 321

فِراش هذا يُستدل بها على أن فعال يأتي بمعنى مفعول، هذا قليل في لسان العرب، أربعة أو خمسة أمثلة فقط، منها هذه فاحفظوها. فِراش بمعنى مفروش، وغِراس بمعنى مغروس. [ونسيت الباقي] [1]

( {جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا} ) أي جعلها فِراشًا ومِهادًا نستمتع فيها من غير مشقة ولا تعب كما ينام الإنسان على فراشه. ( {السَّمَآءِ} ) أي جعل لكم السماء بناءً أي قبة مضروبة عليكم وسقفًا محفوظًا لأن البناء يصير فوق، فالسماء بناء لأهل الأرض وهي سقف محفوظ كما قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ} [الأنبياء: 32] . [آياتها، الله أكبر] .

( {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَآءِ} ) أي السحاب، كل ما علاك فهو سماء، يُسمى سماء في لسان العرب، وهنا المراد بالسماء السحاب، ( {مَاَءً} ) أي مطرًا، ( {فَأَخْرَجَ بِهِ} ) . الفاء للتعقيب، أنزل من السماء ماء فأخرج به بالماء. ( {مِنَ الْثَّمَرَاتِ} ) جمع ثمرة، وهي ما تخرجه الأرض من حبوب وخضار والأشجار من فواكه ونحوها.

( {رِزْقًا لّكُمْ} ) أي عطاء لكم، وفي آية أخرى {مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} .

( {فَلاَ} ) الفاء للسببية وتعقيبية، ( {فَلاَ تَجْعَلُواْ} ) هذا نهي، وسبق معنا ( {فَلاَ تَجْعَلُواْ لَلَّهِ أَنْدَادًا} ) لا تتخذوا مع الله ندًّا تصرفون إليه شيئًا من العبادات، وهو الذي خلقكم، وجعل لكم الأرض فراشًا والسماء بناءً، وأنزل من السماء ماء، فإن الذي خلق هذه المخلوقات، والذي فعل بكم هذه الأمور لمصالحكم العامة، والخاصة تنتفعون بالأرض فراشًا، والسماء بناءً هو المستحق للعبادة جل وعلا دون ما سواه. ( {فَلاَ تَجْعَلُواْ} ) هذا قطع لأسباب الشرك كأنه قال فلا تشركوا لأن هذا هو معنى الشرك. ( {فَلاَ تَجْعَلُواْ لَلَّهِ أَنْدَادًا} ) أي نظراء وأمثالًا تصرفون إليهم العبادة أو شيئًا منها. ( {وَأَنْتُمْ تَعَلُمُونَ} ) تعلمون ماذا؟ أنها ليست مماثلة لله جل وعلا، وأنها لا تستحق العبادة، لأنهم يعترفون بأن الله هو الخالق {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزمر: 38] اعترفوا.

إذًا تعلمون أنها ليست مثالًا ونظير للرب جل وعلا، فكيف تصرفون هذه العبادات، أو شيئًا منها لغير الله جل وعلا.

هذا الآية جمعت بين الأمر بعبادة الله وحده ( {اعبُدُوا رَبَّكُمُ} ) والنهي عن عبادة ما سواه لأنها افتتحت بقوله تعالى: ( {يَأيُّهَا النَّاسُ اعبُدُوا رَبَّكُمُ} ) ، وختمها جل وعلا بقوله: ( {فَلاَ تَجْعَلُواْ لَلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعَلُمُونَ} ) . إذًا جمع بين الأمر بعبادته جل وعلا وحده، ونفي الشريك له سبحانه، كالآية التي مرت معنا {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36] .

(قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى) . وهو عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر القرشي، الدمشقي الحافظ المشهور صاحب التفسير والتاريخ، هذا ولد سنة سبعمائة، وتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة، وهو من تلامذة شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى.

(1) [بناء مبنوء، إله مألوه، كتاب مكتوب] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت