فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 321

ودعاء العبادة: هو التذلل والخضوع لله جل وعلا بالطاعة، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه. فكل تعبد ليس فيه سؤال لله عز وجل بطلب باللسان، فهو دعاء عبادة، لماذا؟ لأنه أراد بعبادته، كأن يقوم يصلى يركع، ويسجد، حينئذٍ لو قيل له: لِمَ تصلّ؟ قال: أرجو ثواب الله، أرجو رضا الله. كأنه قال: يا الله أثبني، يا الله ارض عني، يا الله أدخلني الجنة، إذًا صار مرده ومرجعه إلى دعاء المسألة. ولذلك قال أهل العلم: كل أفعال العبادات تعتبر دعاء، لأن فيها معنى الطلب ومعنى السؤال. وأما دعاء المسألة، والطلب، فهو أن يصرح يا الله، يا أرحم الراحمين، اللهم اغفر لى، اللهم ارحمني، صرح بلسانه. فحينئذٍ يُسمى دعاء المسألة.

هنا ظاهر عبارة المصنف قوله: (وَمِنْهُ: الدُّعَاءُ) . إذا قلنا: الدعاء بقسيمه. حينئذٍ شمل العبادة كلها، كما سبق معنا في قوله {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18] . قال بعض المفسرين - وهم كُثُر: فلا تعبدوا مع الله أحدًا. فلا تدعوا قلنا: يشمل هذا نوعي الدعاء. إذًا صار بهذا التعبير الدعاء هو العبادة، هو نفسها، فكل عبادة دعاء، وكل دعاء عبادة، لا فرق بينهما، وهنا ظاهر عبادة المصنف (وَمِنْهُ: الدُّعَاءُ) يعني من أنواع العبادة الدعاء، صار الدعاء أخصَّ من العبادة، فالعبادة تكون حينئذ أعم من الدعاء، والمشهور أن الدعاء قسمان. فما الجواب؟

وضح الإشكال، إذا قيل: (وَمِنْهُ: الدُّعَاءُ) الدعاء يشمل دعاء المسألة، ودعاء العبادة. إذًا العبادة كلها دعاء، الدعاء هو العبادة، كما جاء في حديث النعمان حديث صحيح: «الدعاء هو العبادة» . إذًا العبادة هي الدعاء، والدعاء هو العبادة، كل منهما بمنزلة الآخر. هنا قال: (وأنواع العبادة.(وَمِنْهُ) أي من تلك الأنواع، الدعاء، كيف يكون العام المرادف للعام داخلا تحته؟

ظاهر العبارة أن الدعاء أخصّ من العبادة، نقول: العبادة منها الخشية، تعبير صحيح؟ الخشية أخص من العبادة، والعبادة منها الصلاة، صحيح؟

صحيح. لا إشكال.

الخشية، والصلاة، والزكاة، كلها أخص من مطلق العبادة، لا إشكال. لكن لو فسرنا الدعاء بالمعنى العام، كيف يقال: الدعاء من العبادة، وهو مرادف لها. حينئذ لا بد من التأويل.

والجواب: أن نقول: أن العبادة بالمعنى المصدري الذي هو الذل والخضوع، والدعاء بمعنى المسألة والطلب. يعني لا بد من تأويل كلام المصنف هنا، أن نجعل العبادة بالمعنى المصدري، المعنى المصدري ما هو؟

التذلل والخضوع بالطاعة بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، والدعاء نجعله بمعنى المسألة، السؤال والطلب وهذا لا بأس به، أن يستعمل اللفظ الشرعي مرادًا به أحد المعنيين، وإن قال بعض أهل العلم: كل لفظ دعاء ومشتقاته في القرآن فهو محمول على نوعي الدعاء إلا آية واحدة {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55] . قالوا: هذا المراد دعاء المسألة، وما عداه محمول على المعنيين. إذًا لا بأس أن يُحمل اللفظ على معنى واحد وقد جاء في استعمال الشرع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت