التوكل هو الحكم، إثباته لمن؟ على الله، ونفيه أي التوكل عما عداه. إذًا ( {وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُواْ} ) وعلى الله لا على غيره فتوكلوا هكذا التقدير، وعلى الله لا على غيره فتوكلوا، لا على غيره هذه دلت عليها الآية بالمفهوم لماذا؟ لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر والقصر. ما الذي قُدِّمَ هنا؟ ( {وَعَلَى اللهِ} ) حقه التأخير لأنه معمول، والعامل فيه توكلوا أصل التركيب: (فتوكلوا) هذا عامل وهو مقدم (على الله) معمول وهو مؤخر، قُدِّمَ ما حقه التأخير فأفاد القصر والحصر. والقصر هو إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه. فتثبت هذه العبادة القلبية العظيمة التي تعتبر من أجل العبادات لله سبحانه وتنفى عما عداه. إذًا وعلى الله لا على غيره فتوكلوا أي فوضوا واعتمدوا على الله، وفوضوا أموركم لله جل وعلا، فدل على أن التوكل من العبادات بل من أجلها ولذا جعله شرط صحة للإيمان. قال: ( {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} ) . فتوكلوا على الله، وإن لم تكونوا مؤمنين فتوكلوا على غير الله ولا تتوكلوا على الله، هذا المراد بكونها عُلِّقَتْ وجُعِلَتْ شرطًا لصحة الإيمان.
إن كنتم مؤمنين فتوكلوا على الله، أين جواب الشرط؟ هو هذا المحذوف، إن هذا حرف شرط، كنتم هذا فعل الشرط، أين الجواب؟ محذوف لدلالة ما قبله عليه، إن كنتم مؤمنين فتوكلوا على الله لا على غيره جل وعلا.
وقال أيضًا في بيان ثمرة التوكل وجزائه: ( {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3] ) لعظم هذه العبادة القلبية ذكر المصنف آيتين وإلا الأصل في سرد الآيات أن يذكر دليلًا واحدًا لكل عبادة، وهنا ذكر آيتين، الآية الأولى دالة على وجوبه، وأنه عبادة، وأنه شرط في صحة الإيمان. والآية الثانية دالة على ثمرته وأن من ثماره أن الله جل وعلا حسبه وهو كافيه. قال تعالى: ( {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} ) أي كَافِيه، ومن كان الله كافيه فلا مطمع لأحد فيه.
إذًا ( {وَمَن} ) هذه شرطية يصدق فيها عموم على كل شخص حَقَّقَ التوكل على الله لا على غيره ( {فَهُوَ} ) أي الله جل وعلا ( {حَسْبُهُ} ) أي كافيه.
قال هنا: (وإذا صدق العبد في اعتماده على الله تعالى كفاه الله تعالى لأن الأمر كله إلى الله جل وعلا) كفاه الله ما أهمه لقوله تعالى: ( {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} أى كافيه، ثم طمأن المتوكل بقوله:( {إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} ) . فلا يعجزه شيء أراده، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
إذًا عرفنا أن التوكل عبادة، وأنها عبادة قلبية ومن أجلّ العبادات، وأن الرب جل وعلا أمر بها لقوله ( {فَتَوَكَّلُواْ} ) وجعل التوكل شرط صحة الإيمان.
واعلم أن التوكل أنواع لأنه ليس كل توكل يعتبر عبادة فيقع اللبس، لأن الاعتماد وتفويض الأمور أقسام: