الأول: التوكل على الله تعالى، وهو من تمام الإيمان وعلامات صدقه، وهو واجب لا يتم الإيمان إلا به وسبق دليله. الاعتماد على الله جل وعلا لجلب خير أو دفع شر، يعني لا يعتمد إلا على الله جل وعلا فيما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه، سواء كان في جلب خير أو دفع شر، نقول: هذا عبادة صرفها لغير الله جل وعلا يُعتبر شركًا أكبر. والشرك في التوكل كله شرك أكبر ليس فيه تفصيل، لا يقال شركٌ أصغر ولا شركٌ أكبر إلا اللهم من جهة اللفظ فقط، فقولهم: (توكلت على الله وعليك) دون أن يصاحبه معنى قلبي، نقول: هذا اللفظ شركٌ في الألفاظ يعتبر شركًا أصغر.
الثاني: توكل السّرّ. وهو التوكل على غير الله، حصل هنا التوكل وصُرف وتُوجِّهَ به لغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله جل وعلا من جلب المنافع ودفع المضار، وهذا شركٌ أكبر، وهو المراد في الآية السابقة في المتن بأن يعتمد على ميت في جلب منفعة مثلًا أو دفع مضرة فهذا شركُ أكبر لأنه لا يقع إلا ممن يعتقد أن لهذا الميت تصرفًا سريًّا في الكون، يسميها الصوفية قوة خفيّة، ولا فرق بأن يكون نبيًّا أو وليًّا أو طاغوتًا عدوًا لله تعالى.
إذًا إذا اعتمد وفوَّض أمره إلى ميت من الأموات مطلقًا سواء كان فيما يقدر أو ما لا يقدر، حينئذٍ نقول: هذا شركٌ أكبر وليس فيه تفصيل بين الأكبر والأصغر بل كله أكبر.
الثالث: التوكل والاعتماد على الحيّ الحاضر فيما أَقْدَرَهُ الله عليه من رزق أو دفع أذى، حيّ حاضر ليس ميتًا وليس غائبًا، إنما هو حاضر ويقدر على ما اعتمد عليه ذلك المفوض أمره إليه من رزق أو دفع أذى مع الشعور بعلو مرتبته وانحطاط مرتبة المتوكل عنه، مثل أن يعتمد عليه في حصول المعاش ونحوه، لأن المخلوق وإن كان له نوع قدرة فلا يُعتمد عليه ولو فيما أقدره الله عليه كالأسباب، فحينئذٍ إذا اعتمد على المخلوق وفُوِّضَ أمر للمتوكل عليه ولو كان فيما يقدر عليه ذلك المتوكل عليه نقول: هذا نوع من الشرك الأصغر. كالاعتماد على الأسباب هي بعينها ولو كان في جلب رزق ونحوه، لماذا؟ لقوة تعلق القلب به والاعتماد عليه، وهذه قاعدة عامة في الأسباب كلها (كل من اعتمد على سببٍ ما ولو كان مؤثرًا فالالتفات إليها والاعتماد عليها نقول: شرك أصغر، وقد يقع في قلبي وهذا بحسب حاله قد ي
كون شركًا أكبر. الاعتماد على الأسباب الأصل فيه أنه شرك أصغر قد يصاحبه نوع شعور باستقلالية فحينئذٍ قد يكون شركًا أكبر لكن الأصل فيه هو هذا.
أما لو اعتمد عليه على أنه سبب كبقية الأسباب وأن الله تعالى هو الذي قدَّر ذلك على يديه أو جعل ذلك سببًا مؤثِرًا فإن ذلك لا بأس به إذا كان للمتوكل عليه أثر صحيح في حصول المراد، بل هذا مطلوب شرعًا، لأن التوكل دون أخذ بالأسباب نقول: هذا تواكل وليس بتوكل، هذا منهي عنه مذموم في الشرع، بل يفوض أمره إلى الله ويعتمد على الله بكل قلبه ويثق بأن ما شاء الله كان وما لم يشأه الله لم يكن، ومع ذلك يطرق باب الأسباب، ولا تنافي بين الأخذ بالأسباب على وجه الشرع دون اعتماد عليها والتفات بالقلب إليها مع تحقيق التوكل بل هذا من تمام التوكل أن يشرع في الأسباب ويأخذ بها.