الرابع: من أنواع التوكل: الاعتماد على الغير في فعل ما يقدر عليه نيابة عنه. الوكالة التي يتكلم عنها الفقهاء هذا فيه اعتماد، الاعتماد على الغير في فعل ما يقدر عليه نيابة عنه بحيث ينيب غيره في أمور تجوز فيها النيابة، لكن مع ذلك أيضًا لا يعتمد عليه في حصول ما وَكَّل فيه، بل يتوكل على الله، لذا لا يقال: توكلتُ على فلان بل وَكَّلْتُ فلانًا، حتى في باب الوكالة لا يقال: تَوَكَّلْتُ على فلان أن يقضي حاجة كذا، وإنما يقول: وَكَّلْتُ فلانًا، فيجتنب اللفظ الشركي ولو كان فيه نوع شبهة. فهذا لا بأس به بدلالة الكتاب والسنة والإجماع، لو فوَّض غيره في إقامة بعض الأمور نيابة عنه وهو قادر عليه، نقول: هذا الذي يجرى عليه الناس قديمًا وحديثًا. هذا نقول: جائز بدلالة الكتاب والسنة والإجماع. فقد قال يعقوب لبنيه: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ} [يوسف: 87] إذًا وَكَّلَهُم أليس كذلك، وكلهم أن يتحسسوا من يوسف نيابة عنه، وَوَكَّلَ النبي - صلى الله عليه وسلم - على الصدقة عمالًا وحفاظًا، ووكل في إثبات الحدود وإقامتها، ووكل علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في هديه في حجة الوداع أن يذبح ويتصدق بجلودها وجلالها وأن ينحر ما بقي من المائة بعد أن نحر - صلى الله عليه وسلم - بيده ثلاثًا وستين. وأما الإجماع على جواز ذلك فمعلوم من حيث الجملة.
إذًا التوكل أنواعٌ، الذي يكون فيه خضوع وذلّ مع اعتماد على الله جل وعلا في جلب المنفعة ودفع المضرة هذا خاص بالله جل وعلا، وهو عبادة ولا تصرف لغيره سبحانه وتعالى، فإن توكل على غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله من جلب منافع أو دفع المضار حينئذٍ نقول: قد أشرك الشرك الأكبر.
ثم قال: (وَدَلِيلُ الْرَّغْبَةِ، وَالْرَّهْبَةِ، وَالْخُشُوعِ) . هذه العبادة الخامسة والسادسة والسابعة، (وَدَلِيلُ الْرَّغْبَةِ) . الرغبة يقال: الرَّغَبُ والرَّهَبُ مصدران،
الرَّغَبُ فعل، والرَّهب فعل، مصدران لـ رَغِبَ يَرْغَبُ رَغَبًا ورَغْبَةً، ورَهِبَ يَرْهَبُ رَهَبًا ورَهْبَةً، الأول بمعنى المسألة والضراعة، والثاني بمعنى الخوف.
والرغبة قال فيها أهل العلم: هي السؤال والطلب والابتهال والتضرع، حينئذٍ هي فيها نوعُ طمعٍ، إذًا فيها معنى الرجاء، سؤالٌ وطلب وابتهال وتضرع، وهذا لا يكون إلا إذا حصل الطمع وميل النفس إلى حصول المراد، إذًا هي رجاء لكنها رجاء خاص، بل هي أعلى درجات الرجاء. إذًا الرغبة نوع من الرجاء وهي أعلاه، ولذلك عبَّر هنا الشيخ: (الرغبة محبة الوصول إلى الشيء المحبوب) . يعني فيها سؤال وتضرع مع محبة الوصول إلى الشيء المحبوب، فإذا كان داعيًا دعا الله عز وجل، رفع يديه مع قوةٍ لحصول مطلوبه، فهذه تُسمَّى رغبة، إذا وُجِدَت القوة القلبية في تحقيق مرغوبه سُمِّيَتْ رغبة. وقال في المصباح المنير: (الرغبة السعة يقال رَغِبَ الشيء أي اتسع) . فالرغبة في الدعاء إطالته وكثرته والسعة فيه، ويُسمى دعاء رغبة، والإطالة في العبادة تسمى عبادة رَغْبَة.