إذًا هي طمع لكنه طمع خاص، بل هو أعلى درجات الطمع، أن يصاحب هذا الطمع قوةٌ قلبية في حصول المراد، الطمع قد يوجد وتنتفي هذه القوة، إن وُجِدَ الطمع في تحقيق وحصول المراد من الرب جل وعلا مع قوة في القلب حينئذٍ وُجِدَ الرجاء وهو أعلى درجات الرجاء وهو ما يُسمَّى بالرغبة.
الرهبة هذه نوع من الخوف وهي منتهاه، أعلى درجات الخوف، لأن الرهبة هي الخوف والفزع المثمر للهرب من الْمَخُوف فهي خوف مقرون بعمل، ولذلك ابن القيم رحمه الله في (( المدارج ) )يقول: (هذه الأعمال القلبية كلها متداخلة ومتقاربة معانيها، والذي يفصل هذا عن هذا شيء دقيق، وإلا تجتمع في نوع مشترك، جنس.
إذًا الرهبة هي الخوف والفزع المثمر للهرب من الْمَخُوف فهي خوف مقرون بعمل
وقال بعضهم: الرهبة خوف خاص، لأنه نوع من الخوف بل هو منتهاه، أعلى درجات الخوف.
الخشوع فُعُول، لغة مأخوذ من خَشَعَتِ الأرض إذا سَكَنَتْ واطْمَأَنْتْ. وجاء قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً} [فصلت: 39] أي ساكنة ليس فيها حركة، وهو قريب من الخضوع إلا أن الخضوع في البدن، والخشوع يكون في القلب وفي الصوت وفي البصر قال تعالى: {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ} [القلم: 43] ، {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ} [طه: 108] وكذلك يكون في العمل. قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 1، 2] .
إذًا (وَدَلِيلُ الْرَّغْبَةِ، وَالْرَّهْبَةِ، وَالْخُشُوعِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90] ) .
لما ذكر سبحانه بعض الأنبياء والمرسلين أثنى عليهم جل وعلا بقوله: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ} هذا في مقام المدح والثناء والإطراء، فمدحهم الله جل وعلا وأثنى عليهم بالمسارعة في الخيرات، والخيرات هذا جنس يعم كل خير قلبي أو لساني أو عملي {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا} أي في ثوابنا ورحمتنا {وَرَهَبًا} أي من عقوبتنا، {رَغَبًا} هذا مصدر حال لا بد من تأويله راغبين أو ذَوِي رَغْبَة لا بد من تأويله، {وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} أي خاضعين متذللين، {وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} كانوا خاشعين لنا مثل: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا} [المائدة: 23] أفاد القصر والحصر تقديم ما حقه التأخير يفيد القصر والحصر، الأصل وكانوا خاشعين أي ذليلين متذللين خاضعين لنا، فقدَّم الجار والمجرور لإفادة القصر والحصر.
إذًا دلت هذه الآية بثناء الرب جل وعلا على الأنبياء والمرسلين أنهم كانوا يدعوننا {رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} أنَّ هذه الثلاث صفات ممدوحة، فقد رضيها الرب جل وعلا، وإذا رضيها أحبها، وإذا أحبها دل على أنها عبادة فهي مطلوبة فصرفها لغير الله يعتبر شركًا أكبر.