قال هنا الشيخ: (في هذه الآية الكريمة وصف الله تعالى الْخُلَّص من عباده بأنهم يدعون الله رغبًا ورهبًا مع الخشوع له، والدعاء هنا شامل لدعاء العبادة ودعاء المسألة - كما هو القاعدة: إذا جاء لفظ الدعاء في الكتاب فحينئذٍ يشتمل على النوعين ويُحمل على النوعين إلا بقرينة - فهم يدعون الله رغبة فيما عنده، وطمعًا في ثوابه مع خوفهم من عقابه - يعني يجمعون بين الرجاء والخوف - والمؤمن ينبغي أن يسعى إلى الله تعالى بين الخوف والرجاء، ويُغَلِّب الرجاء في جانب الطاعة لينشط عليها ويؤمل قبولها، ويُغَلِّب الخوف إذا همَّ بالمعصية ليهرب منها وينجو من عقابها. وقال بعض العلماء: يغلب جانب الرجاء في حال المرض، وجانب الخوف في حال الصحة، لأن المريض منكسر ضعيف النفس، وعسى أن يكون قد اقترب أجله فيموت وهو يحسن الظن بالله عز وجل، وفى حال الصحة يكون نشيطًا مؤمِّلًا طول البقاء فيحمله ذلك على الأشر والبطر، فيُغَلِّب جانب الخوف ليسلم من ذلك. وقيل يكون رجاؤه وخوفه واحدًا سواء، لئلا يحمله الرجاء على الأمن من مكر الله، والخوف على اليأس من رحمة الله، وكلاهما قبيح مهلك لصاحبه. يعني الأمن من مكر الله واليأس من رحمة الله كلاهما قبيح مهلك لصاحبه.
إذًا لا بد من الجمع بين الرجاء والخوف، لا بد أن يطمع في رحمة الله جل وعلا وأن يخاف من عقابه ليكونا كالجناحين له.
ثم قال: (وَدَلِيلُ الْخَشْيَةِ) . هذه العبادة الثامنة، خَشْيَة فعلة من خَشِيَهُ خافه واتقاه، قال الراغب الأصفهاني: (الخشية خوف يشوبه تعظيم - يعني يخلطه تعظيم، خوف مع تعظيم - خوف يشوبه تعظيم وأكثر ما يكون ذلك عن علمٍ بما يُخشى منه، ولذلك خُصّ العلماء بها في قوله: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] لماذا؟ لأنهم جمعوا بين الخوف والعلم بما يُخْشَى منه.
ودليل الخشية قوله تعالى: ( {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي} [البقرة: 150] ) .
( {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ} ) هذا نهي، لا ناهية، فنهى المسلمين عن خشية الكفار، قال: لا تخشوهم، لا تخشوا الناس فإنى وليكم ( {وَاخْشَوْنِي} ) هذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، فدلّ على أن الخشية عبادة، وهي عبادة قلبية لها آثارها على الجوارح. فلا تخشوا الناس فإني وليكم واخشوني وحدي فإنه تعالى أهل أن يُخْشَى وحده، فأمر بخشيته وحده ونهى عن خشية غيره.
إذًا ( {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي} ) هذا دليل على أن الخشية عبادة، لذلك نهى المسلمين عن خشية الكفار وأمر بخشيته وحده لا شريك له، ومع الآية السابقة العامة {فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} حينئذٍ نقول: صرف هذه الخشية لغير الله تعالى يعتبر شركًا أكبر ولا تفصيل هنا.
(الخشية هي الخوف المبني على العلم بعظمة من يخشاه وكمال سلطانه بقوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} أي العلماء بعظمته وكماله سلطانه، فهي أخص من الخوف، ويتضح الفرق بينهما - يعني بين الخوف والخشية - بالمثال فإذا خِفْتَ من شخص لا تدري هل هو قادر عليك أم لا؟ - هنا خوف مع جهل فهذا خوف - وإذا خفت من شخص تعلم أنه قادر عليك فهذه خشية.