ويقال في أقسام أحكام الخشية ما يقال في أقسام أحكام الخوف التى مرت بنا.
(وَدَلِيلُ الإِنَابَةِ) . هذه العبادة التاسعة، إنابة هذا مصدر أَنَابَ إليه أي رجع إليه، قال في المفردات: هي الرجوع للشيء مرة بعد مرة الإنابة، أناب بمعنى رجع إلى الشيء مرة بعد مرة. إذًا فيها تكرار، ولذلك هي توبة وزيادة، هي الرجوع للشيء مرة بعد مرة، ومنه ينتابه أي يقصده مرة بعد مرة. ففيها معنى التكرار، أناب إليه أي رجع إليه، فالإنابة توبة مع رجوع إلى حال أحسن فهي توبة وزيادة، لماذا؟ لأنها تشتمل على معنى التوبة من إقلاع عن الذنب، والعزم على عدم العودة إليه، والندم على ما مضى، وهذه حقيقة التوبة، واستمر على ما هو عليه من عباداته.
إذًا يتوب ثم يستمر في الطاعة والاستقامة {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت: 30] فالاستقامة هي من معاني الإنابة.
وهي نوعان - كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
-إنابة لربوبيته جل وعلا، وهذه عامة تشمل كل المخلوقات، يشترك فيها المؤمن والكافر والبر والفاجر. قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ} [الروم: 33] . حال، دَعَوْا حالة كونهم منيبين إليه راجعين، فهذا عام في حق كل داعٍ أصابه ضر.
الثاني: إنابة لإلهيته جل وعلا، وهذه إنابة عبودية ومحبة، وهذه تتضمن أربعة أمور لن تتحقق إلا بوجود هذه الأربعة معًأ، ولذلك لا توجد الإنابة هكذا ابتداءً لوحدها. تتضمن محبته جل وعلا، والخضوع له، والإقبال عليه، والإعراض عما سواه. أربعة أمور: محبته، والخضوع له، والإقبال عليه، والإعراض عما سواه.
(وَدَلِيلُ الإِنَابَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ} ) هذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، فدل على أن الإنابة عبادة، إذًا هي عبادة، إذًا ( {وَأَنِيبُوا} ) هذا أمر يقتضي الوجوب فهي حينئذٍ صارت عبادة لأنه أمر بها، فإذا أمر بها دل على محبته لها ورضاه عنها فهي عبادة حينئذٍ. ( {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ} ) أي ارجعوا إليه بالطاعة واستمروا على الإقبال عليه وعلى طاعته والابتعاد عن معصيته. ( {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ} ) . هذه إنابة عامة، تعم كل عباد الله الذين هم عباد الطاعة والامتثال.
وقوله: {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88] . على لسان شعيب عليه الصلاة والسلام هذا أمر خاص، {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} أنيب إليه لا إلى غيره فدلّ على اختصاص الرب جل وعلا بهذه الإنابة.