فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 321

( {نَعْبُدُ} ) هذا فعل مضارع، وأول فعل يمر بك في القرآن وهو دال على التوحيد، ( {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ) كما قال ابن عباس: إياك نوحدُ ونخافُ ولا نرجو غيرك. فنعبدُ نقول: هذا فعل مضارع عام في جميع أنواع العبادات لأنه أطلق، وعند الأصوليين قاعدة: أن الأفعال من قبيل المطلق وله أفراد. ( {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ) نقول: هذا وصف لإيقاع العبادة، والعبادة - كما هو معلوم - اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. هل التعريف هذا داخل في قوله: ( {نَعْبُدُ} ) أو لا؟ يشمل كل أفراد العبادة أو لا؟ يشملها، لا تتردد، يشملها بلا تتردد ( {نَعْبُدُ} ) أي نتذلل ونخضع لك بالطاعات كلها بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، لأن معنى إياك نعبد هو معنى كلمة التوحيد لا إله إلى الله، ولا إله لا معبود، هذا يقتضي أن العبادات كلها لا تصرف إلا للرب جل وعلا وصرفها أو صرف بعضها لغير الله نقول: هذا شرك أكبر.

( {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ) ، ( {نَعْبُدُ} ) نقول: عام في جميع العبادات، وحصر العبادة في كونها للرب جل وعلا بتقديم ما حقه التأخير، لأن أصل ( {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ) أصلها نعبدك، نعبد هذا عام فعل، ونحن الضمير المستتر فاعل، والكاف هذه مفعول به، مثل: ضَرَبْتُ زيدًا، ضربت فعل وفاعل وزيدًا مفعول به، هذا الترتيب اللغويٌّ، نعبدُك إذا أردت الحصر والقصر قلت: زيدًا ضربتُ قدمت المفعول، تقدمه لماذا؟ لإفادة الحصر، زيدًا ضربتُ يعني لا غيره، ( {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ) لا غيرك، لا نعبد غيرك، نفردك بالعبادة وننفي هذه العبادة عمن سواك. فحينئذٍ نقول: هذا قصر وحصر للعبادة في المعبود الحق وهو الرب جل وعلا، ونفي هذه العبادة عن غير الله سبحانه وتعالى بطريق القصر والحصر وهو تقديم ما حقه التأخير.

( {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ) أصلها نستعينك، حصل فيها ما حصل في ( {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ) ، أريد الحصر والقصر فقُدِّمَ ما حقه التأخير، انفصل الضمير لأنه مفعول به فقُدِّم قيل: إياك نستعين أي لا نستعين إلا بك، لا نعبدُ إلا إياك ولا نستعين إلا بك.

والاستعانة هل هي عبادة أم لا؟ عبادة، إذًا هي داخلة في قوله: ( {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ) ، لِمَ فصلها وأخرجها؟ لأهميتها [جواب صحيح] وأيضًا لا عبادة إلا بمعين، لا يمكن أن تفعل العبادة إلا بمن يُعينك عليها، لا حول ولا قوة إلا بالله.

قال أهل العلم: ( {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ) فيه تبرؤ من الشرك، ( {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ) فيه تبرؤ من الحول والقوة، حينئذٍ لا يعتمد على نفسه في التعبد لله عز وجل، لا، حتى لو صرفت العبادة لله عز وجل، هذا لولا الله عز وجل أن مكنك وأقدرك وقطع الأسباب المثبطة أو العلائق والعوائق لما استطعت أن تعبد الله عز وجل. حينئذٍ لا بد من معين يعينك على فعل هذه العبادة. وهذا معنى

( {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ) ، قدم العبادة هنا لأنها أعظمُ شأنًا، وأجلُّ خطرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت