الأولى: الاستعاذة بالله تعالى المتضمنة لكمال الافتقار إليه والاعتصام به واعتقاد كفايته وتمام حمايته من كل شرّ. نقول: هذه دليلها ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى، فهي عبادة قلبية لا يجوز صرفها لغير الله جل وعلا، بل صرفها لغير الله تعتبر شركًا أكبر، ولذلك لا يجوز أن يقال: أعوذ بالله ثم بك، لا يقال هذا، أعوذ بالله ثم بك لا يجوز لأنه يمنع في اللفظ فيكون شركًا أصغر.
[الثانية] : الاستعاذة بصفة من صفات الرب جل وعلا ككلامه وعظمته وعزته ونحو ذلك، وهذا جائز وجاءت به النصوص من الكتاب والسنة، قوله - صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» . وقوله - صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي» . وقوله - صلى الله عليه وسلم - في دعاء الألم: «أعوذ بعزة الله وقدرته» . وقوله - صلى الله عليه وسلم: «أعوذ برضاك» . وقوله - صلى الله عليه وسلم - حين نزل قوله تعالى: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ} [الأنعام: 65] فقال - صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بوجهك» . قلنا: الاستعاذة بصفة من صفات الرب جل وعلا وهي جائزة.
الثالثة: الاستعاذة بالأموات مطلقًا فيما يقدرون وما لا يقدرون، أو بالأحياء غير الحاضرين القادرين على العوذ فهذا شرك كما تقدم في الاستعانة. ومنه قوله تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن: 6] هذه في شروح كتب التوحيد تجدونها مفصلة هناك.
الرابعة: الاستعاذة بما يمكن العوذ به من المخلوقين من البشر أو الأماكن أو غيرها فهذا جائز لوجود القدرة [قادر] ودليله قوله - صلى الله عليه وسلم - في ذكر الفتن: «من تشرف لها تستشرفه ومن وجد ملجأً أو معاذًا فليعذ به» . متفق عليه. وقد بين - صلى الله عليه وسلم - هذا الملجأ والمعاذ بقوله: «فمن كان له إبل فليلحق بإبله» . الحديث رواه مسلم، وفي صحيحه أيضًا عن جابر - رضي الله عنه - أن امرأة من بني مخزوم سرقت فأُتِيَ بها النبي - صلى الله عليه وسلم - فعاذت بأم سلمة، هذا جائز هي حية وقادرة وموجودة.
وفي الصحيح أيضًا عن أم سلمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يعوذ عائذ بالبيت فيُبعث إليه بعثًا» . ... الحديث. ولكن إن استعاذ من شر ظالم وجب إيواؤه وإعاذته بقدر الإمكان، وإن استعاذ ليتوصل إلى فعل محظور أو الهرب من واجب حَرُمَ إيواؤه.
إذًا الاستعاذة أنواع على ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى.
(وَدَلِيلُ الاِسْتِغَاثَةِ) . هذه العبادة الثانية عشر، وهي الاستغاثة، والسين هنا للطلب أي طلب الغوث وهو الإنقاذ من الشدة والضيق، ولذلك يقال غياث المستغيثين أي المدرك لعباده في الضيق ونحوه.