فهرس الكتاب

الصفحة 218 من 321

الاستعانة كما سبق طلب العون وهذا يكون في العصمة والمنعة، والاستغاثة طلب إزالة الشدة الواقعة، كل منهما طلبٌ، لكن الاستعاذة طلب دفع، والاستغاثة رفع، الاستعاذة دفع [لشيء وقع. والاستغاثة لا] [1] الاستعاذة دفع يعني طلب منع الشر قبل وقوعه، طلب ماذا؟ طلب دفع وقوع الشر قبل نزوله، وأما الاستغاثة فهي طلب رفع هذا بعد نزوله، ولذلك هي متداخلة. ودليله قوله تعالى: ( {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} [الأنفال: 9] ) . إذ بمعنى حين، تستغيثون أي تستجيرون ربكم وتطلبون منه الغوث فاستجاب لكم، إذًا جاء هذا في معرض الثناء عليهم ورتب عليه الإجابة، فدل على أنه يحبها ويرضاها. حين تستغيثون ربكم فاستجاب، إذًا ما أجاب لشيء يُبغضه ويسخطه، وإنما أجاب شيئًا يحبه ويرضاه، فدلّ على أن الاستغاثة محبوبة مرضية عند الرب فهي عبادة فصرفها لغير الله حينئذٍ يكون شركًا.

فالاستغاثة طلب الغوث وهو الإنقاذ من الشدة والهلاك، وهي كالاستعاذة تتضمن كمال الافتقار إلى الله تعالى، وهي أنواع:

الأول: الاستغاثة بالله عز وجل، وهذا من أفضل الأعمال وأكملها ودأب الرسل وأتباعهم، والدليل ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى وله قصة مذكورة في غزوة بدر.

الثاني: الاستغاثة بالأموات مطلقًا فيما يقدرون، وفيما لا يقدرون، أو بالأحياء غير الحاضرين أي الغائبين ولو كان قادرًا على الإغاثة فهذا يعتبر شركًا أكبر، الاستغاثة بالأموات مطلقًا، أو بالأحياء غير الحاضرين ولو كانوا قادرين نقول: هذا شرك أكبر لأنه لا يفعله إلا من يعتقد أن لهؤلاء تصرفًا خفيًّا في الكون، قوة خفية، فيجعل لهم حظًّا من الربوبية، قال الله تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [النمل: 62]

الثالث: الاستغاثة بالأحياء العالمين القادرين على الإغاثة فهذا جائز. - قادر وهو حيّ وأمامك يسمع، أما إذا كان غائب لا يسمع فلا - فهذا جائز لأنه عمل ظاهر، الاستغاثة عمل ظاهر، لذلك يجوز الاستغاثة بمخلوق حي حاضر قادر. قال الله جل وعلا في قصة موسى عليه السلام: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص: 15] . قال: {فَاسْتَغَاثَهُ} . وهذا أورده في مقام الإقرار، والله جل وعلا إذا ذكر شيئًا في القرآن إن كان حقًّا أقره، وإن كان باطلًا ردَّه، فإذا لم يقع الرد دل على أنه حقّ.

الرابع: الاستغاثة بحي غير قادر من غير أن يعتقد أن له قوة خفية. - عبثًا ولهوًا - مثل أن يستغيث الغريق برجل مشلول فهذا لغو وسخرية بمن استغاث به، فيُمنع منه لهذه العلة، وأيضًا لعلة أخرى وهي أن الغريق ربما اغتر بذلك غيره فتوهم أن لهذا المشلول قوة خفية يُنْقِذُ بها من الشدة.

إذًا إذا كان من حيٍّ غير قادر مع عدم اعتقاد للقوة الخفيّة هذا يعتبر لهوًا ولغوًا، لكن يُمنع منه لماذا؟ للسخرية والاشتباه لأنه مر آخر يظن أن له قوة خفية فيُمنع منه لذلك.

(1) سبق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت